الرئيسيةبين الفكر والسياسة

يوم عاد “سوكارنو” إلى الجزائر …

عاد الرئيس الأندونيسي الراحل أحمد سوكارنو (6 يونيو 1901 – 21 يونيو 1970) ليقف وسط أحد أهم شوارع الجزائر العاصمة، بحي مصطفى خالف ببلدية بن عكنون، بعدما رفع الستار على نصبه التذكاري هذا الأسبوع بحضور دبلوماسي مميز و رفيع أبرز العلاقات الجزائرية الإندونيسية “الناصعة” و الروابط التاريخية المشتركة بين الشعبين.

عاد سوكارنو وعادت معه أفكار كثيرة و قصص وتفاصيل لا يتحملها مقال واحد، لكنها مناسبة تضعنا أمام مرحلة تاريخية فارقة في تاريخ البلدين، و أمام طريق ممتد ومفتوح نحو الحاضر و المستقبل أيضا..

وبادرت سفارة إندونيسيا بالجزائر بوضع نصب سوكارنو التذكاري الذي صممه المهندس محمد رضوان كامل ونحتته فنانة النحت المعاصر الإندونيسية دولوروسا سيناغا، ما أعاد للواجهة دور هذا الرجل المميز في تدويل القضية الجزائرية وعرضها أمام الرأي العالمي بمناسبة انعقاد مؤتمر باندونغ في أكتوبر 1955 الذي خلص بقرارات أدانت صراحة الاستعمار والعنصرية ودعت إلى التعاون الايجابي والمكثف بين البلدان النامية والنضال من أجل تمكين الشعوب من حقها في تقرير مصيرها.

عودة سوكارنو إلى الجزائر جددت الحديث عن مشاركة الجزائر في المؤتمر و الصيغة التمثيلية التي حضر فيها وفد جبهة التحرير الوطني ممثلا في الراحلان محمد يزيد و حسين آيت احمد اللذان فاجآ الحضور بدخولهما مرفوعا الرأس عندما “أعلن محمد يزيد بصوته عاليا دخول الوفد الجزائري لجبهة التحرير الوطني” (حسبما جاء في كلمة بومدين قناد، مدير عام إدارة آسيا وأوقيانوسيا بوزارة الشؤون الخارجية والذي حضر حفل رفع الستار على النصب التذكاري ممثلا لوزير الخارجية صبري بوقادوم).

وبعيدا عن اختلاف الروايات حول مجريات تلك المشاركة الهامة وكواليسها وحول الوثيقة الوحيدة التي قرأت في المؤتمر عن القضية الجزائرية.. تملكني شعور ساحر و أنا أتخيل محمد يزيد وحسين آيت أحمد يتقدمان وسط جمهور السياسيين في آسيا إفريقيا، لو كان لكاميرا سينمائية أن تعيد تشكيل تلك اللحظة لا كانت مزيجا بين إعجاب البعض وعلامات استفهام نبتت فوق رؤوس البعض الآخر !

يمكنني تخيل الأشكال من مجلسي هنا وذلك الفوز الجزائري الكبير الذي عاد به الجزائريون بعد جولة دبلوماسية آسيوية موفقة كللت بعد مرور ثلاثة أشهر من انعقاد المؤتمر و في 29 يوليو 1955 بتقدم 14 دولة مشاركة من أصل 29 برسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة تطالب من خلالها إدراج القضية الجزائرية في الدورة العاشرة للجمعية العامة المنعقدة في سبتمبر 1955.

وأنا أتناول موضوع النصب التذكاري، اطلعت على بعض المقالات التي كتبت حول شخصية سوكارنو كرجل سياسي و مناضل برزت مواقفه سريعا رغم ما تعرض إليه من غبن وسجن متواصل.. واستغربت وأعجبت كيف أن إندونيسيا التي تتعامل باحترام كبير مع ذكرى الرجل إلا أنها لم تضع حدود “مقدسة” للتعرف على جوانب حياته الأخرى بصفته إنسان.

صادفت صورة جميلة بالأبيض و الأسود لسوكارنو مع الممثلة الهوليودية مارلين مونرو وكانا في قمة الانسجام، مرفقة بمقال يتحدث عن غرامياته اللامتناهية، وعن صور “محرجة” التقطتها له المخابرات الروسية بغرض الابتزاز وكيف جاء رد سوكارنو ساخرا من محاولاتهم تشويه صورته أمام شعبه وقد طلب منهم نسخة لعرضها في بلاده علنا قائلا: “سيكون شعبي فخورًاً بي بالتأكيد”…

سوكارنو الرجل العاشق وقع في غرام اليابانية الجميلة “راتنا ديوي” ثم أغرم بـ “هارياتي” التي روى عنها أنها (كانت طالبة إندونيسية من “جاوا الشرقية” ومخطوبة لأحد الضباط الشباب فأمر سوكارنو بفسخ الخطبة وإبعاد الإندونيسي ! ثم تزوجها سرا ثم نقلها إلى جاكرتا وبنى لها قصرا فخما.

كما قرأت أيضا أن الشابة الإندونيسية “هارياتي” كانت تنافس ضرتها اليابانية، فلم ترض بالقصر الذي بناه سوكارنو لها فاضطر أن يستولي على جميع الأراضي المحيطة بالقصر ثم حولها إلى حديقة كبرى تابعة لقصر “هارياتي” المدللة التي لم يدم زواجها بالزعيم طويلا فكانت واحدة من الكثير من الزيجات القصيرة التي عرفها هذا الرجل الوسيم (في عرفهم).. علما أن سوكارنو كان متزوجا أيضا ب فاطمة وله منها خمسة أولاد، ومن “راتنا ديوي” اليابانية بنت واحدة ، ومن زوج هارتيني عدد من الأولاد.

بكثير من الفضول واصلت قراءة هذه الصفحات وأنا أتذكر دردشة جانبية مع أحد أساتذة التاريخ من جامعة الجزائر وهو مسؤول على أحد اللجان المهمة التي لها علاقة بالأفلام التاريخية التي تدعمها وزارة المجاهدين، يومها تحدثنا عن فيلم “بن مهيدي” وعن ظروف المنع و التحفظات التي رفعتها لجنة القراءة حول السيناريو و التي تطالب المنتج بشير درايس مراجعته و التي بدونها “لن يخرج الفيلم للقاعات المظلمة” !

سألت محدثي: ما الذي أزعجكم في ذلك العمل؟ فأجابني بكل ثقة فيما ما معناه: هل تتصوري أن نقدم الشهيد البطل العربي بن مهيدي كرجل يعيش علاقة غرامية مع امرأة و الأدهى تكون أوروبية؟ ! فقد اتخذ محدثي من هذا التفصيل ميثاق لكل ما سيأتي من حوار وأفكار و اقتناعه أن القصة الشخصية هي تشويه تام لحياة شهيد ثورة التحرير ومساس بالصورة الناصعة التي لا يمكن أن تخدش بأي تفصيل إنساني سواء كان حقيقة أو من محض الخيال..

لست هنا لأقارن بين حياة سوكارنو و العربي بن مهيدي، فأنا أشعر بعاطفة عميقة و تقدير كبير لشهيد الثورة التحريرية تحديدا، وأجدني في كل مرة أقف متأملة ابتسامته الشفافة و المنتصرة وهو مقيد، لكنني كنت وما أزال أتمنى / أحلم أن أعيش مع هؤلاء الرجال و النساء بصفتهم بشر يتألمون ويحبون و يحلمون ويعشقون أيضا ويحنون إلى صدر أمهاتهم ويتمزقون لفراق عائلاتهم، لأن من لا يعشق المرأة لا يعشق الأرض و على رأي نزار قباني “لا ثقافة لرجل لا يعشق !! “.

هذا الحوار المتشعب الذي فتحته مع نفسي ألقى بي في دروب أخرى قد لا تكون مشابهة تماما لحالة سوكارنو أو الشهيد بن مهيدي، إلا أنه فتح أمامي موضوع سير الحب في الحروب، وقد كانت “حرب الجزائر” مرحلة أزهرت فيها رسائل حميمة تبادلها عشاق ومعجبون سريون مع بعضهم البعض منهم من كان يعيش في أحد المناطق بالجزائر و الآخر في الضفة الأخرى من المتوسط..

ما أريد أن أقوله أن رسائل الحب التي عاشت على هامش الرصاص هي أيضا قادرة على تأليف صفحة من صفحات التاريخ، ومدها بطاقة انسانية لا حدود لها، قد يقول البعض التاريخ لا يكتب بالحبر الوردي ويكفي قلم أسود لتدوين المعارف و المخططات و الترتيبات و التصريحات و الوثائق التي تحفظ في النهاية كأرشيف صامت، لكن إذا أردنا أن نستنطق الشخصيات / الإنسان ونبادلها مزيدا من الحب علينا أن نهتم بأرواحها وقلوبها التي نبضت في لحظة صفاء..

ولنا في تاريخنا الأدبي عديد الأمثلة التي تبرز إمكانية الكتابة عن التاريخ عبر قصص لأفراد تصارعوا مع ظروف الحياة آنذاك بأحلامهم وقناعاتهم عكست واقعا زمنيا معينا وأدرج هنا على سبيل المثال لا الحصر “القبرات الساذجة” (1967) للكاتبة الراحلة آسيا جبار و “ذاكرة الجسد” (1993 – ط1) لأحلام مستغانمي واكتفي بهذا القدر من الأمثلة حتى أمنع نفسي من التشعب في دروب أخرى…

مساهمة/ نبيلة سنجاق – يوليو 2020

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق