أراء وتحاليلاقتصاد وأعمالالجزائرالرئيسيةسلايدر
أخر الأخبار

من يعرقل إسترداد الأموال التي نهبتها العصابة؟

بقلم – وليد أشرف

تم الاعتراف منذ سنوات طويلة قبل سقوط نظام الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، بأن مستويات الفساد في الجزائر بلغت حدود حرجة جدا لم تعد معها الأدوات التقليدية لمكافحة الظاهرة قادرة على تحقيق نتائج تذكر.

رغم سن الجزائر لتشريعات جديدة لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وانضمامها إلى اتفاقيات دولية متعددة الأطراف في المجال، إلا أن نزيف نهب المال العام وتهريبه إلى الخارج استمر في وضح النهار، وفي أحيان كثيرة بتغطية من مسؤولين كبار في الدولة.

ومن بين القوانين الجزائرية الصادرة في هذا الشأن: القانون 05-01 المعدل والمتمم المتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتهما، والقانون 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته والذي تمت بموجبه محاكمة عصابة المسؤولين السابقين في نظام الراحل عبد العزيز بوتفليقة.

معروف أن عملية استرداد الأموال تمر بثلاث مراحل، وهي إثبات الأملاك وتحديد مكانها كمرحلة أولى، وثانيا صدور أحكام نهائية، ثم ثالثا، وجود اتفاقيات قضائية ثنائية ومتعددة الأطراف لاسترداد الأموال المنهوبة عندما يتعلق الأمر بثروات تم تهريبها إلى الخارج. مع التأكيد على أن التشريعات الوطنية والدولية في أغلبها تنص على عدم تقادم الدعاوى في مجال محاربة الفساد.

لقد حذرت منظمة شفافية دولية ( Transparency International) في تقارير دورية سابقة، بأن منسوب الفساد في الجزائر، بلغ مداه، غير أن حكومات الرئيس السابق المتعاقبة لم تحرك ساكنا، بل أعتبرت ذلك تهجما مقصودا ضد الجزائر وزعما من هذه المؤسسة المستقلة، بأن سلطات الرقابة في البلد قاصرة عن حراسة المال العام. غير أن صحة ذلك ثبتت بالدليل بمجرد إندلاع مظاهرات 22 فبراير 2019 واستقالة الرئيس الراحل وسجن وهروب العشرات من كبار المسؤولين منذ ذلك.

سُجِنَ رؤساء حكومات ووزراء وعدة ولاة والعشرات من رجال الأعمال ومسؤولين في مستويات قرار عديدة على مستوى الحكومة والقطاع الاقتصادي والبنوك، وقدمت الخزينة العمومية والبنوك المملوكة للدولة، الأدلة على الأرقام الفلكية لخسائرها من جراء السطو على المال العام، إلا أنه ظهر تلكأ في المضي نحو القرار الذي ينتظره الشعب الجزائري وهو استعادة أمواله المنهوبة من قبل العصابة طيلة 20 وربما 30 سنة الماضية. 

نقاط ظل في مسار المحاكمات؟

الاستعراض التاريخي السابق لمسار المحاكمات الخاصة بقضايا نهب المال العام خلال الفترة السابقة، يكشف عن وجود نقاط ظل كثيرة تخفي وجود رغبة في تعطيل المسار على أمل حدوث تحول ما، قد يمكن من عودة النظام السابق بشكل أو بآخر، كما تحلم بذلك العصابة التي تقود ثورة مضادة من داخل السجن، وهو ما تنبه له رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الذي أعلن عنه صراحة في إحدى لقاءاته الدورية مع وسائل الإعلام الوطنية.

الثورة المضادة تمولها العصابة من السجن هذا ليس إتهاما أو تجنيا على أحد، فقد سبق وأن أُعلن رسميا بأن علي حداد، أرسل وهو في السجن مبلغ 10 مليون دولار إلى شركة لوبيينغ أمريكية لإدارة حملة للضغط على الحكومة الجزائرية من أجل إطلاق سراحه، والأمر لا يختلف لبقية رجال الاعمال الاخرين الذين يقومون منذ فترة بضخ مبالغ كبيرة لتمويل وسائل إعلام جزائرية ومواقع أجنبية ويوتيبور في الخارج، لشن هجومات ضد الحكومة ولتأليب الرأي العام. لقد بلغ بهم الأمر إلى درجة الترويج لفكرة أن النظام السابق رغم فساده، أفضل بكثير من الحالي، وأن التخلص من الرئيس عبد المجيد تبون، مسألة وقت فقط، وأنهم إلى الحكم عائدون، وهو ما جعل كثيرا من ضعاف النفوس وبعض “الذين أمنوا بعد الفتح” يمسكون بالعصا من الوسط، ويؤجلون إنخراطهم الحقيقي في مشروع الجزائر الجديدة، على أمل عودة العصابة.

إن تعطيل مسار المحاكمات وعدم تسريعها للمضي نحو اصدار أحكام نهائية، يكشف عن وجود مجال صراع مرير بين من لديهم رغبة صادقة قوية في محاربة الفساد إلى نهايته، وبين من يريدون الحفاظ على الوضع كما كان عليه قبل فبراير 2019. لقد فتح التأخر في صدور الأحكام النهائية في العديد من القضايا وخاصة تلك المتعلقة بصفقات المشاريع الضخمة في قطاع الانشاءات والبنى التحتية، الباب على مصراعيه، أمام الضغوط والإغراءات من جهة، والتشويه الشخصي من جهة ثانية، لكل منجز يحققه الرئيس عبد المجيد تبون، على صعيد مكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة وتحقيق الالتزامات التي قطعها أمام المواطنين خلال ترشحه لرئاسة الجمهورية. إن التلكأ في المضي بعيدا في المحاكمات وفتح ملفات الفساد الحقيقية، يطرح أكثر من سؤال، لا سيما عندما يتم إلهاء الجزائريين بملفات بسيطة لا تكاد تتعدى بعض المليارات من الدولارات التي تم نهبها في قطاع تركيب السيارات، في حين يتم تأجيل فتح الملفات الأكبر والأثقل التي حول من خلالها على حداد والإخوة كونيناف وغيرهم عشرات مليارات الدولارات إلى البنوك الإسرائيلية والسويسرية وبنوك الكاريبي.

صمت بنك الجزائر؟

على عكس الكثير من البنوك المركزية حول العالم، لم يسبق وأن خاض بنك الجزائر المركزي في موضوع الأموال المنهوبة خلال العقود الأخيرة، أولا، لكونه يتحمل جزء كبير من المسؤولية بسبب آليات الرقابة المنتهجة في مراقبة عمليات حركة رؤوس الأموال من وإلى الجزائر، وثانيا، بسبب صمته أمام حالات التدخل السياسي في تسييره  منذ التعديل الأول لقانون النقد والقرض سنة 2001 والتعديلات المتعددة التي تلت ذلك طيلة العشريتين الماضيتين.

وحتى وإن ظل بنك الجزائر ملتزما الصمت لسب من الأسباب، إلا أن إدارة الجمارك تعرف بدقة مطلقة حجم السلع والخدمات التي دخلت البلاد على مدار العشرين سنة الأخيرة، كما وتعرف المديرية العامة للضرائب حجم الامتيازات الممنوحة لفلان أو علان من الناس، الذين استفادوا خلال حقبة الرئيس الراحل وحتى من الأشخاص الذين استفادوا في الظل وتربحوا بحكم مناصب المسؤولية التي بلغوها وما أكثرهم في جزائر الأمس.

ماذا يعني استرداد الأموال المنهوبة: 

تعتبر عملية استرداد الأموال أو الأصول المنهوبة بحسب فقهاء القانون بأنها ” مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية والجهود المبذولة من الدول لاستعادة الأموال التي نهبت من ثرواتها ومواردها والمتأتية من عمليات الفساد والتي هُرّبت إلى دول أجنبية أو بقيت داخل الدول نفسها” وهي أيضا ” مسار يتم فيه تحديد وتجميد وإعادة هذه الأموال للبلدان التي كانت ضحية لهذا الفساد وهي عملية معقدة ومتعددة المستويات، وهي تعتبر أهم إجراءات مكافحة الفساد”.

لم تقدم أي تقديرات رسمية حول حجم الأموال المنهوبة من قبل النظام السابق وزبانيته. كما لا توجد أرقام رسمية دقيقة عن قيمة الأموال المهرّبة إلى الخارج، إلا أن خبراء مؤسسات مالية دولية قدروا ذلك بنحو 20 % من إجمالي واردات البلاد خلال 15 سنة الأخيرة على الأقل، أي ما يناهز 160 مليار دولار على الأقل، مضاف إليها حجم العمولات والرشاوى في الصفقات العمومية المنجزة أو الجاري إنجازها في مجال مشروعات البنية التحتية أو الخدمات المختلفة.

مهما كانت مزاعم فريق الدفاع عن رجال الأعمال الموجودين في السجن اليوم، فإن مصدر الأموال التي اختلسوها هي بالنهاية أموال الخزينة العمومية، وكانوا قد حصلوها سواء في شكل قروض أو في شكل مشروعات بطريقة غير قانونية أو من خلال الامتيازات الضريبية والجبائية والجمركية غير مشروعة، أو حتى في شكل تنازل غير قانوني عن أصول تابعة للمجموعة الوطنية، وبالتالي سيكون من غير الطبيعي، الصمت عن عدم استردادها، أو على الأقل استرداد الجزء الموجود داخل الجزائر منها، والمتمثل في عشرات آلاف الهكتارات من العقار الصناعي الذي استولى عليه هؤلاء بغير وجه حق وعشرات الوحدات الصناعية التي أنجزت بقروض بنكية غير مستردة ومصانع تم خوصصتها خارج إطار القانون وقروض بنكية مضخمة وأملاك منقولة وغير منقولة متواجدة على الأقل داخل البلاد في انتظار مرحلة ثانية تمتد الى حصر الأملاك المهربة الى الخارج والتي يمكن التعامل معها في اطار الاتفاقات الثنائية والمتعددة الأطراف التي وقعت عليها الحكومة الجزائرية.

كيف السبيل لاسترجاع أصول الفساد

التحدي الأكبر الذي تواجهه جهود مكافحة الفساد يكمن في مسألة استرجاع الأصول وأموال الفساد التي هُرِّبت ووجدت لها ملاذات آمنة في العديد من البلدان الأجنبية، وهو ما يغدي الشعور بالإحباط واليأس من إمكانية مكافحة الفساد، وتظهر الصورة أكثر قتامة، عندما يتم الخوض في بعض تفاصيل ما تراكم لدى قوى الفساد والعصابات التي كونت ثروات طائلة نتيجة نفوذ لا حدود له وقربها من دوائر صنع القرار في فترة من الفترات، وتمكنوا من نهبها وتهريبها الى ملاذات آمنة في العديد من البلدان الأجنبية، وخاصة الملاذات الآمنة في المراكز المالية العالمية.

الخطوات القانونية والتشريعية لاسترداد الأموال المنهوبة

من خلال دراسة تجارب العديد من الدول المشابهة لحالة الجزائر من خلال تعرضها لنهب منظم لثرواتها من قبل قادة فاسدين، نجد أن تشريع قانون خاص باسترداد الأموال المنهوبة شكل حلقة رئيسية.

وتضمن ذلك التشريع تحديد الجهة المختصة بعملية استرداد الأموال المنهوبة وتشكيلها ووضعها تحت سلطة سلمية قوية قادرة على انفاد القانون تتمتع بالاستقلالية والحياد، مع منح حصانة وصلاحيات كاملة لتشكيلتها، وتوضيح أنها الجهة الوحيدة المخولة باسترجاع الأموال المنهوبة.

ويتضمن التشريع تحديدا دقيقا لكيفية إدارة الأموال والأصول المستردة، وتحديد حدود رادعة بشدة لكل من يعرقل سير العملية على جميع المستويات، سواء تعلق الأمر بإجراء التحقيقات بشأن الأموال المنهوبة كافة والتي تم إخفاؤها داخليا أو تهريبها للخارج، وكيفية تعقبها واستعادتها أو استردادها، وتيسير عمليات تقديم الطلبات ومتابعتها لدى الدول والجهات الأجنبية، بغرض تتبع والكشف وتجميد واسترداد أية أموال منهوبة.

تقديم مزايا استثمارية للدول التي هُرّبت إليها هذه الأموال لضمان تعاونها وتسريع إجراءات تجميد هذه الأموال واستردادها، وحتى إفساح المجال أمام التفاوض مع بعض الفاسدين مقابل إعادة الأموال المنهوبة، وهو أسلوب لجأت إليه دول وحكومات، في إطار المصالحة مع المسؤولين أو رجال الأعمال الذين نهبوا الأموال وهربوها على التصالح معهم وتخفــــــــيف الأحكام بحقهم، مقابل رد الأموال كافة التي استولوا عليها، وذلك في حال عدم قدرة الدولة على ضبطهم أو محاكمتهم أو استعادة الأموال التي بحوزتهـــــــم بشتى الطرق الممكنة، على غرار تجربة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والتجربة الجنوب أفريقية على عهد الرئيس نيلسون مانديلا الذي تمكن من استعادة الكثير من الأموال المهربة بعد أن رفع شعار “الأموال مقابل العفو”.

 الثورة المضادة تقودها شبكة المستفيدين من الريع

من الخطأ الاعتقاد أن الثورة المضادة يقف وراءها فقط مجموعة من رجال الأعمال المسجونين وبعض الوزراء ومسؤولين في بنوك عمومية وبعض الدوائر الحكومية من الصف الثاني عموما.

إن هذا الاعتقاد سيحصر مسألة استرداد الأموال ضمن نطاق ضيق جدا لا يتعدى بعض المليارات من الدولارات، وبالنهاية سيترك أكبر المستفيدين خارج الدائرة يتمتعون بثروات هائلة حصلوها بطرق غير مشروعة، لأن أغلب رجال الاعمال المسجونين هم في الحقيقة مجرد أسماء مستعارة لأصحاب الثروات الحقيقين الذين يفضلون الظل. وبالتالي يصبح من الضروري الذهاب إلى ما هو أبعد من رجال الأعمال والوزراء المسجونين مسألة أمن قومي، وضمانة لمناعة حقيقية للجسم الوطني، تحقيقا لمسار العدالة واستكمالا لاسترجاع هذه الأموال في الداخل والخارج، مهما كانت الاكراهات الوطنية والتعقيدات الدولية.

دون اتخاذ الرئيس، سلسة من القرارات السياسية الهامة، سيبقى ملف استعادة الأموال المنهوبة حبراً على ورق، وبلا قيمة عملية رغم بعض التصريحات التي تعقب كل حكم على فرد أو مجموعة من العصابة التي كانت تحكم البلاد طيلة العقدين الماضيين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق