افتتاحية الجزائر اليومالرئيسيةسلايدرعاجل

منارة الهدي المحمدي تشع من المحمدية

بقلم: المعتز بالله منصوري

تستيقظ الجزائر العاصمة، في الشتاء البارد هذه الأيام، على ضباب كثيف يكاد يعدم الرؤية على طول ساحلها البحري، لكن مئذنة شامخة، فارعة الطول، شديدة الإتقان، تشق طريقها إلى عنان السماء، لتظل ظاهرة عليه وعلى الناس، ترى من جميع الاتجاهات.

إنها مئذنة جامع الجزائر الأعظم، ذات القمة الزجاجية  التي تلف الهلال الذهبي، رمز الإسلام دين الله الواحد، تتحدى ضباب الصباح الكثيف، مثلما تحدت ظلام الليل الحالك، بنور الضوء المشع.

وحتى قبل أن تنتصب فوق ثالث أكبر مسجد في العالم، تحدت هذه المئذنة، أولئك الخبراء والمهندسين والتقنيين من الحساد والمشككين والحاقدين وحلفاء وأحفاد النصرانيين التبشيريين، ووثبت طابق فوق طابق إلى أن صارت الأعلى والأجمل والأمتن، غير مكترثة بمزاعم الطبقات الزلزالية والأرضية غير الملائمة.

وليس المجال ملائما للعودة عشرون سنة إلى الوراء، لسرد تفاصيل المؤامرات والاعتراضات التي أرادت وأد مشروع الجامع الأعظم حينما برز كفكرة جادة ذات عزيمة، وسعت لعرقلته عندما أخذ طريق الإنجاز، وروجت لمقارنات البهتان بالمستشفيات عندما اكتمل شكله وبناؤه الفريد من نوعه.

وإنما المجال اليوم -وبعد تدشينه الرسمي من قبل رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون- للعودة لأزيد من قرن إلى الوراء، فقد تحقق حلم الأجداد من العلماء وطلبة العلم، الذين كانوا يقصدون الأزهر والزيتونة والقرويين، وكانوا يمنون النفس بصرح ديني مماثل في الجزائر، قلب المغرب العربي وشمال إفريقيا.

نعم، الجزائر، وبعد 62 سنة من الاستقلال، تفتتح ثالث أكبر مسجد في المعمورة والأكبر في إفريقيا، وتُشّرع أبوابه أمام العُبّاد المصلين وطلبة العلم من الدول كافة.

لقد انتصرت عزيمة الجزائريين المخلصين المتشبعين بقيم المجتمع الجزائري المسلم، على كل الحملات المغرضة من الداخل والخارج، وبني المسجد بمكان جغرافي حافل بالأبعاد الدينية والرمزيات الإيديولوجية والأحداث التاريخية.

وكأن قدر هذا المكان الذي شيد عليه، أن يرسم النهايات الخالدة بالانتصارات. فقابلة ساحله الذي يطل عليه، هزم الملك شارلكان وأسطوله الصليبي سنة 1541 م، وسقط تاجه.

 وبنفس المكان، يتردد إسم المحمدية نسبة إلى رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام، بعدما حمل مكرها اسم الكاردينال شارل مارسيال لافيجري رائد حملات التنصير والتبشير منذ بدايات الاستعمار الفرنسي للجزائر.

وعلى مساحته الواسعة، شيدت قاعة الصلاة الواسعة، وبنيت هياكل كاملة، كدار القرآن والمكتبة والمنارة  والمتاحف وبقية المرافق التي قام على أساسها المسجد رغم كل المكائد والعراقيل.

قيمة هذا الصرح الديني والعلمي والسياحي (السياحة الدينية)، لا تتوقف عند سقف أو حد معين، إنها ممتدة امتداد أصقاع الأرض التي يسودها الإسلام، فكأنما هو هبة قدمتها الجزائر للأـمة الإسلامية لتباهي بها الأمم الأخرى.

إنه من الرموز الشاهقة والشامخة، دينا وعلما، التي تعزز بها الجزائر المكانة الحضارية لها ولإفريقيا وللعالم.

والإشعاع الذي سيبزغ من المسجد الأعظم إلى العالم أجمع، هو الوسطية والاعتدال، عماد الدين الإسلامي الحنيف، ونبذ التطرف الذي شوه الإسلام وجنى عليه مثلما أكد الرئيس تبون في تصريح له أثناء تفقده المكتبة الفخمة بناء وعلما.

لقد أدلى رئيس الجمهورية، بتصريحات في غاية الأهمية، خاصة عندما ذكر بحفاظ المجتمع الجزائر على دينه وعاداته، رغم محاولات المستعمر، طمس الهوية الوطنية طيلة 132 سنة.

والمغزى الأساسي، أن الجزائر المتجذرة في هويتها الإسلامية، ورغم أهوال الاستعمار الاستيطاني الغاشم الذي قام على الإبادة، ومثلما قدمت للعالم نموذجا فريدا في التضحية والكفاح من أجل الحرية، تقدم له صرحا دينيا وحضاريا للإسلام السمح.

جامع الجزائر ببلدية المحمدية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى