أراء وتحاليلاقتصاد وأعمالالرئيسيةسلايدر
أخر الأخبار

  مساهمة/ الـمؤسـســـات الـمصـغــرة بـالـجــــزائــــــر: واقــع ــ تـحــديـــات وآفـــــــــــاق

الدكـتــور أحمــد ســواهـلـيــة ــــ أســــتــــاذ جــــامــعـــي

تلق المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وبالأخص المصغرة منها اهتماما كبيرا ومتزايدا على المستوى المحلي والدولي ، والجزائر كغيرها من الدول تعتبر أن هذه المؤسسات مصدرا فعالا في الإنتاج وتنويع الاقتصاد والابتعاد عن الريع الإنتاجـي للمحروقات، مما جعلها تعمل جاهدة على تشجيعها ومرافقتها وحمايتها بجملة من الحوافز وزيادة توجيه مبادراتها إلى الاستثمار ودفعها إلى العمل وذلك لاحتلالها مكانة هامة داخل النسيج الاقتصادي المعاصر ولما لها من أهمية جوهرية في تنشيط الاقتصاد، حيث يعتبر هذا النوع من المؤسسات المحرك الأساسي للازدهار وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة في العالم بأسره، من خلال خلق مناصب الشغل وزيادة الناتج الداخلي الخام وتنويع الهيكل الإنتاجي الخدماتي الاقتصادي وترقية الصادرات ومن ثم مكانة معتبرة في التأثير على الميزان التجاري وكذا جذب للمدخرات المالية والبشرية وخلق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، وما يساعد هذه المؤسسات مميزاتها وخواصها والتي إجمالا تتعلق بالتأقلم والتكيف السريع والمرونة في البيئة الاقتصادية لأي بلد كان .الدكتور احمد سواهلية

إن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الجزائر ورغم أنها تعد أحد مفاتيح التنمية الاقتصادية المحلية نظرا لأهميتها ودورها التنموي الذي تلعبه على المستوى الاقتصادي والاجتماعي ، ورغم مصادر التمويل المتنوعة والمتاحة لهذه المؤسسات بالجزائر، إلا أنها لم تلق الاهتمام اللازم خلال عقود من الزمن وتم اعتمادها كمسكن اجتماعي للشباب ولم يتم منحها الفرصة لإثبات وجودها وأداء دورها ورغم ذلك لم يتعد حدود عددها 1.300.000 ألف مؤسسة منها 98% مصغرة مجملها في القطاع الخاص بنسب متقاربة بين مؤسسات معنوية وطبيعية وكانت أغلبها موجهة للخدمات بنسبة 53% وجزء لمؤسسات البناء بنسبة 29% وجزء أقل منه للصناعة بنسبة 15,5% ونسبة ضئيلة جدا في الزراعة بلغت 1% في انحصار للشمال بنسب بلغت 70% و22% للهضاب، مما استجوب من حكومات ما بعد الحراك إعطائها الأهمية البالغة لأداء دورها الحقيقي الاقتصادي ومن ثمّ آثارها الاجتماعية التي هي تحصيل حاصل للمقاربة الاقتصادية وليس كما حصل سابقا وتسبب في إفلاس كثير من الشباب والمشاريع عموما وخلق إشكاليتين رئيسيتين أولهما مسح ديونها وبالتالي الضغط المستمر على الخزينة وثانيهما لجوء البنوك إلى القضاء لاسترجاع القروض الممنوحة وهو من حقها، ما حمّل السلطات الحالية مسؤوليات كبيرة أوقعتها بين مطرقة وسندان من أجل إعادة الأمور إلى نصابها ،

كما أن هذه المؤسسات كغيرها في كثير من الدول واجهتها الكثير من العوائق والمشاكل رغم آفاقها الواعدة وخاصة خصائصها ومميزاتها التي تجعلها تواجه التغيرات الحاصلة، تحديات وعوائق وصعوبات ومشاكل تعيق تقدمها أو استقرارها وتحقيق قدرات إنتاجها الاقتصادية، منها ما تعلق بالبيئة الداخلية لها كمشاكل التنظيم وخبرة التسيير واليد العاملة المؤهلة رغم بساطة التكنولوجيا المستعملة، أو ما تعلق بالبيئة الخارجية كالتكنولوجيات المستعملة أو التسويق أو التمويل.

خصائص، مــمــيـــــزات وآفـــاق

1/ مركزية القرار والمرونة في النشاط بطرق تسيير على شكل هرم شخصي بسيط يكون مالك المؤسسة صاحب القرار مما يساعده على اتخاذ القرار بسرعة وقت الاحتياج وببساطة ودون تعقيد أو اللجوء للوصاية أو مجلس الإدارة مع سهولة التواصل الوظيفي كذلك لعدد موظفيها المحدود والذي عادة لا يتجاوز عشرة موظفين.

2/ بساطة التمويل بسبب صغر حجم المؤسسة وحجم احتياجها للتمويل وعدد الموظفين ومخطط الإنتاج المباشر غير المعقد والمتعلق بمنتجات بسيطة أحيانا لا تحتاج لعقار كبير ولا إلى تكنولوجيات كبيرة ولا إلى تجهيزات جد متطورة ليست في المتناول.

3/ الاعتماد على الكفاءة والتجديد والابتكار والقدرة العالية والأساليب المتفوقة بما يحقق رضا العملاء وكذا الاهتمام والتركيز على الجودة والتفوق وتشجيع الأفراد على الاقتراح ومعرفة قدراتهم الذهنية بحكم قلة عددهم وهو ما يعني القرب منهم.

4/ الانتشار الكبير لهذه المؤسسات يجعلها حضورها أكيد في المناطق البعيدة والنائية مما يجعل تحقيق التوازن الجهوي للتنمية وتلبية احتياجات السوق من مهامها.

5/ سند أساسي لكبريات المؤسسات بتوفير الاحتياجات الوسيطة في الإنتاج أو الاحتياجات الخدماتية كالنقل والتعليب والتغليف وغيرها، هذا ما يجعل النسيج الاقتصادي متكامل .

6/ المرونة والتأقلم مع المتغيرات البيئية الاقتصادية مما يجعلها تتكيف مع البيئة الخارجية المتغيرة وهو فرصة لبقائها ونموها الأطول وأكبر بكثير من كبرى المؤسسات وتكون إمكانية تحول نشاطها وطبيعة إنتاجها وخدماتها تتناسب مع المتغيرات الحاصلة للسوق أو متطلباته وهو ما يتناسب كذلك مع سرعة اتخاذ القرار لمالك المؤسسة.

7/ تكوين علاقات وثيقة مع المستهلكين مباشرة بحكم بساطة الإنتاج والعلاقة المباشرة، ومن ثم اكتشاف الاحتياجات والتعرف على الطلبات عن قرب وبشكل مستمر وبالتالي تقديم سريع ودقيق للمنتجات والخدمات وهذا ما تفتقده كبرى المؤسسات.

8/ المساهمة في التوزيع العادل للدخول الفردية المتاحة من خلال الكم الهائل لهذا النوع من المؤسسات المتقاربة في الحجم والتي تعمل في ظروف تنافسية أو تكاملية تشغل عددا هائلا من العمال وهو ما يساعد على إيجاد فرص عمل في المناطق البعيدة النائية خاصة إذا تم توجيهها إلى قطاعات الإنتاج كالفلاحة بكل أنواعها لخلق ثروة زراعية وحيوانية وخشبية والصناعة والمناجم والطاقة والسياحة والتجارة حسب خصوصية كل منطقة وتنويعها في المناطق والجهات.

9/ التخفيف من المشكلات الاجتماعية من خلال خلق مناصب الشغل وما يترتب عنه من تحسين للوضع الاجتماعي والابتعاد عن كل من مظاهر البطالة والتهميش والفراغ وما ينتج عنهم من آفات اجتماعية قاتلة للفرد والمجتمع.

10/ جذب وتعبئة للمدخرات الفردية من خلال تحويل كتلة مالية بسيطة بكم هائل وتحويلها إلى استثمارات في مختلف القطاعات الإنتاجية وهو ما يعرف باستقطاب صغار المدخرين وإشرافهم على مشاريعهم بأنفسهم وتسييرها كما يرغبون.

11/ تنمية الصادرات بفعالية بالرجوع إلى عدة عوامل أهمها أن منتجات المؤسسات المصغرة عادة ما يظهر فيها الفن والمهارة والعمل المتقن واليدوي لإشراف المسؤول المباشر عن عملية الإنتاج لبساطة المؤسسة وهذا ما يجعل المنتوج يلقى رواجا في الأسواق الخارجية وكذا تحدي المؤسسة في المنافسة من أجل البقاء مما يحتم عليها استعمال فنون الإنتاج كثيفة العمل وهذا ما يخفض تكلفة الإنتاج وكسب ميزة تنافسية في السعر والجودة.

12/ تنمية المواهب والابتكارات فالمؤسسة المصغرة مجال خصب لتعزيز وتشجيع الابتكار والأفكار وفرصة للإبداع من خلال الإشراف المباشر على التوظيف أو التصاق الموظف من المسؤول المباشر وصاحب قرار المؤسسة ومالكها.

صـعــوبــــات وعـــــوائـــــــق

1/ عائق التمويل رغم بساطته من أبرز المشاكل التي تواجه هذه المؤسسات خاصة في مرحلة انطلاقها والتي تؤثر على سيرها ، فإشكالية منح القروض خاصة عبر التمويل الثلاثي عائق حقيقي في اقتناء العتاد أو الأجهزة أو الحاجات الملحة لإنشاء المؤسسة وبدرجة أقل توسيع نشاط المؤسسة.

2/ ضعف التنافسية وهو ما تعانيه معظم المؤسسات المصغرة في البلدان النامية مما جعلها تعيش ضغطا متزايدا من المنافسة الحادة مع نظيرتها، ذلك أن قوى العولمة تضغط على مختلف الشركات للعمل في أنشطة تقليدية تتسم بانخفاض الإنتاجية والاستهلاك وضعف الجودة وصغر حجم الأسواق والطلب المتضائل وقلة الديناميكية والتكنولوجيا، حيث أن معظم المؤسسات المصغرة بالجزائر تتسم بهذه الصفات مما جعلها تحت المستوى المطلوب في ظل انفتاح اقتصادي تجاري عالمي غير مدروس على الأسواق العالمية وعدم استحداث طرق وآليات لحماية المنتوج الوطني من منافسة المنتجات الأجنبية التي تتسم بالجودة العالية والسعر المنخفض.

3/ مشكلات تسويقية تتمثل في شقها الداخلي في عدم اهتمام هذه المؤسسات بدراسة السوق لتسويق منتجاتها وخدماتها واستعمال التكنولوجيا الحديثة في ذلك في ظل الانتشار الكبير والاستعمال الواسع لتكنولوجيات الإعلام والاتصال وشبكات الانترنت واسعة الاستعمال وآليات التسويق الالكتروني ومن ثمّ التجارة الالكترونية وصولا إلى الدفع الالكتروني مما يسهل الوصول إلى العملاء والزبائن بدقة وعناية وترويج أوسع للمنتجات حسب خصوصيته وتوجيهه لفئات معينة حسب السن والجنس وطبيعة المنتج وغيرها مما يجعل المنتوج يلقى الرواج باستعمال وسائل التواصل أو اليوتوب أو الإيميل أو التويتر أو غيرها، وهذا ما يجعل من المؤسسة الاستعانة بموظفين مؤهلين لذلك واستعمال وسائل مختصة في التسويق وكفاءات بشرية مختصة.

أما ما تعلق بشقها الخارجي فهو تفضيل المستهلك للمنتجات الأجنبية لدوافع الميزة التنافسية في الجودة والسعر وكذا دوافع عاطفية رسختها الأنظمة السابقة ما جعلتنا مولعين بالمنتجات الأجنبية والتباهي بها وذلك بالحرية شبه المطلقة للاستيراد وتشجيعه وتفضيله على المنتج المحلي وعدم توفير الحماية للمنتجات المحلية وفتح شراكات تجارية متعددة غير مدروسة العواقب أهمها اتفاق التبادل الحر مع الجانب الأوروبي الذي بموجبه غزت المنتجات الأوروبية الأسواق الجزائرية وجعلت المؤسسات المصغرة منحصرة تمام في الخدمات فقط وهو ما ذكرنها في النسب السابقة.

4/ عدم اهتمام المؤسسات بالدراسات الاقتصادية ونقص فادح للمعلومة لديها وعدم مواكبتها للسياسات العمومية بحيث لا يمكّنها من اتخاذ قرار الاستثمار الصحيح على أسس وخبرات اقتصادية واقعية ومنطقية ومجدية وما يترتب عنه عدم إدراكها لفرص الاستثمار المتاحة أو جدوى التوسع في النشاط أو تنويع النشاط الاقتصادي، كما أن عدم الإلمام بتطورات السياسات المالية كتخفيض قيمة الدينار وقوانين المالية والاستثمار والنقد والقرض وغيرها وفتح الأسواق وإنشاء مناطق للتبادل الحر وعدم الإلمام بتطورات الإنتاج والطلب ودراسة السوق ومستوى الأسعار وغيرها من المتغيرات الاقتصادية يجعل من سياسات الإنتاج والتسويق لها صعبة للغاية وغير مجدية إن لم تكن مفلسة لها.

5/ التطور التكنولوجي الذي أدى إلى تسهيل عمليات الاتصال والانتقال بين الدول وسرعة في أداء المعاملات الاقتصادية الدولية وتجاوز الحدود الجغرافية واتساع الأسواق بصورة جعلت المنتجات تأخذ الصفة العالمية، كما أدى إلى أنماط التشابه العالمي في الاستهلاك بين شعوب العالم مختلفة الثقافات وهي تطورات تعرف النتاج الحقيقي للثورة الصناعية مما يجعل المؤسسات الاقتصادية وبالأخص الصغيرة منها مواكبة هذا التقدم التكنولوجي والاهتمام به واستعمال الأساليب الإنتاجية التي تعتمد على التكنولوجيات العالية بهدف الزيادة من جودة المنتجات ورفع مستوى الأداء داخل المؤسسة مما يحسن ويدعم المزايا التنافسية.

6/ التكتلات الاقتصادية التي هي نتاج العالم الخارجي الذي خلق تحالفات أمام الحركات التجارية الدولية  مما يعزز توجه العديد من الدول إلى التكامل الاقتصادي للقدرة على البقاء والاستمرارية، مما سيقود حتما إلى تأجج درجة المنافسة بين التكتلات الاقتصادية الأمر الذي سينعكس حتما على المؤسسات المصغرة في ظل تنافسية عالمية تنفتح على العالم الخارجي ورفع للقيود أمام حركة التجارة الدولية مما يستدعي إطلاق روح الإبداع والتطوير واكتشاف المواهب والقدرات التقنية والخبرات العلمية حفاظا للجودة الشاملة للخدمات والمنتجات المقدمة.

خــــــــــاتـــــــمـــــــــة

لا شك أن اقتصاد العولمة يميزه الدور البارز للمؤسسات المصغرة التي تسهم في تحقيق نسب عالية من النمو الاقتصادي وتكامل نشاطه فالتيار الاقتصادي الجديد العالمي جعل منها المحرك القاعدي لأي اقتصاد ما، فأصبحت فعالية المؤسسات المصغرة في التطور الاقتصادي والاجتماعي وقدرتها على تحقيق الثروة وخلق مناصب الشغل، أمرا معروفا في كل الدول وخاصة المتقدمة منها إذ أنها تشكل في الدول المتقدمة أكثر من 70% من مجموع المؤسسات وتشغل ما يفوق 80% من إجمالي العمال، فنجد الولايات المتحدة الأمريكية تحوز على ما يفوق 9 مليون مؤسسة مصغرة بما يقارب 11 مليون عامل وإيطاليا بما يفوق 6 مليون مؤسسة وبريطانيا ما يقارب 3,5 مليون مؤسسة وفرنسا 2,5 مليون مؤسسة، ويعود تركيز هذه الدول على هذا النوع من المؤسسات إلى الخصائص والمميزات التي تشملها فسهولة إنشائها وحجمها الصغير يجعلها أكثر مرونة وحماية لها وللدولة وسهولة تسييرها مما يمكنها من أداء وظائفها على مدى أطول .

لذا فالتحديات التي تواجه هذا القطاع في الجزائر كبيرة ولكن إزاحتها ليس بالمستحيل ورغم مرور عقود من الزمن على الانفتاح الاقتصادي إلا أن موضوع المؤسسات المصغرة لا يزال يأخذ الاهتمام الواسع لتفعيل نشاطها، وعليه لا بد أن نتطلع إلى آفاق فسيحة تجعل من المؤسسات المصغرة المحرك القاعدي والأداة الرئيسية للاقتصاد الوطني وتسهم في تعزيز طاقاتنا الاستثمارية من خلال نشر وتفعيل ومرافقة ثقافة المقاولاتية من خلال ترقية وتطوير التكوين لإنشاء مؤسسة مصغرة وتأهيل العنصر البشري وتنمية المعارف وتفعيل الجهاز الإعلامي الاقتصادي ومرافقة المستثمرين الصغار بالاعتماد على الكفاءات والقدرات في كل مجال لأنها ضرورة ملحة تمليها الآفاق المنشودة للاقتصاد الوطني في تنويع الثروة ودعم المحروقات خاصة في الصادرات خارج المحروقات في ظل إرادة سياسية قوية تسعى لذلك ومقومات طبيعية متنوعة ومتعددة تزخر بها الجزائر وموقع استراتيجي ينتمي لإفريقيا ويطل على البحر الأبيض المتوسط وعلاقات وطيدة وحميمة بآسيا وأمريكا ما يؤهلنا لدور ريادي متنوع وفعال خالق للثروة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق