أراء وتحاليلالجزائرالرئيسيةثقافةسلايدر
أخر الأخبار

قصة “جامع الجزائر” الذي حاربه حزب فرنسا منذ الاستقلال

بقلم: عبد الحميد حسان

تعود فكرة إنجاز مشروع ” جامع الجزائر” إلى بداية السنوات الأولى للاستقلال على عهد الرئيس الأسبق هواري بومدين، وهي الفكرة التي تنص على بناء جوامع كبيرة في الولايات الكبرى الرئيسية في وسط وشرق وغرب البلاد، على أن تتولى الدولة تمويلها استثناء، على عكس العرف السائد في الجزائر، وهو أن الدولة لا تبني المساجد، غير أن بقاءها ـ الجزائر ـ دون معلم حضاري وثقافي وتاريخي يليق بمقام الإسلام بديار الجزائر على مرور 15 قرنا طرح إشكالا رئيسيا دفع برؤساء الجزائر المتعاقبين لبحث فكرة المشروع المدمج الذي يجمع بين رسالة العبادة ورسالة البعد الثقافي والحضاري والرسالي لوجود معلم يعكس الهوية الحضارية للشعب الجزائري الذي تعرض لمحاولات مسخ على مدى عقود طويلة من طرف الاستعمار.

أعلن الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة رحمه الله، أن بناء “جامع الجزائر” تقرر وفاء لتضحيات الشهداء الأبرار، وتخليدا لعهد الاستقلال واسترجاع الدولة الجزائرية.

ووضع الرئيس الراحل، يوم الاثنين 31 أكتوبر 2011 الحجر الأساس لإنجاز أكبر معلم حضاري وثقافي في جزائر الاستقلال، وهو جامع الجزائر الأعظم بعد 4 سنوات من الدراسات الفنية والتقنية والمراجعة المتعددة للخبرة التي أنجزها مكتب الدراسات الألماني، وبعد 6 سنوات من إنشاء الوكالة الوطنية لإنجاز مسجد الجزائر بموجب المرسوم التنفيذي رقم 05 – 137 الصادر في 24 أفريل 2005.

ويسجل التاريخ، أن وضع حجر الأساس لجامع الجزائر الأعظم، تزامن مع ذكرى ميلاد

شارل مارسيال لافيجري (Charles Martial Lavigerie)‏ (31 أكتوبر 1825 – 18 نوفمبر 1892) والذي أسس جمعية الآباء البيض في المنطقة التي أقيم عليها الجامع، وكانت خطته تهدف لتحويل الشعب الجزائري عم دينه نحو الديانة المسيحية، ومنطلقا لتحويل كل القارة الافريقية عن الإسلام.  

وانتقل لافيجري إلى الجزائر سنة 1867 حيث أصبح كبير أساقفتها واهتم بالتبشير فأسس سنة 1868 جمعية المبشرين بالجزائر التي تعرف باسم الآباء البيض وأسس في السنة الموالية جمعية الأخوات البيضاوات المسماة، وكان يهدف بعمله تحويل مسلمي الجزائر إلى الديانة المسيحية، معتبرا الجزائر بَابًا نحو القارة الإفريقية التي أرسل إليها بالفعل عددا من البعثات التبشيرية. وهو ما جعله يسمى جاثليق إفريقيا.

وشكل المشروع أكبر تحد لحزب فرنسا في الجزائر وامتداداته في الاجارة والطبقة السياسية والإدارة والاعلام، وأعلن الجميع الحرب على المشروع منذ بداية ظهروه كفكرة بعد الاستقلال، ولكنه خرجوا جميعا للعلن بعد قرار الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة في 2004 وضعه حيز التنفيذ.

وبمجرد ظهور المرسوم الذي يؤسس للمشروع في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، انطلقت الجرائد الفرنسية وبعد الأحزاب والجمعيات العلمانية المعادية للإسلام في مهاجمة المشروع بحجة أن البلاد تحتاج منشآت قاعدية أخرى غير الجوامع، في حين أن خلفيتهم الحقيقية هي محاربة الإسلام ومحاولة يائسة منهم لحماية مهد الكنيسة الكاثوليكية في الجزائر التي ت\اسست على يد كبير القساوسة الكاردينال سيء الذكر لافيجري.

ومعروف أن العديد من الشخصيات المعروفة بعدائها المنقطع النظير للإسلام وللمشروع في الجزائر تخرجت على يد جمعيات الإباء البيض.

يتكون المشروع الحضاري والثقافي والعلمي المدمج الفريد من نوعه في شمال إفريقيا والشرق الأوسط من منارة بعلو يناهز 278م بـ39 طابقا منها 15 طابقا تعرض تاريخ الإسلام بالجزائر، وقاعة صلاة تتسع لـ120 ألف مصل تعلوها قبة يبلغ ارتفاعها 75م، تتربع قاعة الصلاة على مساحة 2 هكتار مغطاة وصحنين وفناء على مساحة 6 هكتارات، وجامعة للدراسات الإسلامية لتحضير الماجستير والدكتوراه بـ300 مقعد بيداغوجي، ومركز ثقافي ومركز للدراسات والأبحاث في علوم الفيزياء والفلك، وإقامة بغرف فردية ومزدوجة، ومقاه ومحلات تجارية، ومتاحف لتاريخ الإسلام منذ دخوله إلى الجزائر ومكتبات الكترونية تتسع لـ2000 مقعد ومجموعة قاعات وورشات عمل للباحثين تتسع لـ30 إلى 50 باحثا وقاعة محاضرات تتسع لـ500 مقعد، وفندق من طراز رفيع، وحديقة كبيرة من تصميم خبراء عالميين، وحظيرة تتسع لـ6000 سيارة.

الحرب على المنارة التي غطت على صليب السيدة الافريقية

منارة جامع الجزائر

يتكون المركب من أجزاء دقيقة وعالية التعقيد، وتم استعمال تكنولوجيا جد متطورة بالنسبة للتقنيات الخاصة بمقاومة الزلازل بالنسبة لقاعة الصلاة أو بالنسبة لهيكل المنارة التي سترتفع إلى 278م مكونة من 39 طابقا، والتي تضم مراكز أبحاث في الفيزياء والفلك ومعارض وقاعات دراسات.

وسيقود للقاعة المطلة على خليج الجزائر والتي ستكون مغطاة بالزجاج مصعدان، ويتم بناء المنارة بمزيج من الخرسانة المسلحة معدة بطريقة وإضافات خاصة، و4 أنوية حديدية وإسمنتية ما يجعل المنارة التي عرضها 27م أكثر مقاومة للزلازل وقوة الرياح، فضلا عن أنها تقوم على قاعدة مساحتها 2500م2.

وبعلوها الشاهق والمطل على خليج الجزائر، أصبحت منارة جامع الجزائر، الهوية الأساسية للعاصمة الجزائر، وليس صليب السيدة الافريقية، الذي ظل مهيمنا لعقود طويلة، وهو ما يؤكد أن المشروع أكبر بكثير من كونه مجرد مسجد للصلاة، بل تم تصميمه ليكون معلما حضاريا جاء للتأكيد على الهوية العربية الإسلامية للشعب الجزائري الذي حاولت العقيدة الاستعمارية الفرنسية لمدة 132 سنة تحويله عن الإسلام إلى المسيحية بالحديد والنار.

حلم رؤساء الجزائر والرد على مشروع قسنطينة لشارل ديغول

ظهرت فكرة “جامع الجزائر” للوجود سنة 1963، وكانت تتمثل في بناء مسجد كبير يليق بـ15 قرنا من الإسلام في الجزائر، وهو الحلم الذي راود كل رؤساء الجزائر من الزعيم التاريخي احمد بن بلة إلى الرئيس هواري بومدين ثم الشاذلي بن جديد، لكن الظروف الاقتصادية التي مرت بها البلاد جعلت الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، هو من يفوز بشرف بعث المشروع سنة 2004.

وتنص الفكرة التي ظهرت في العام 1963 على بناء جوامع كبيرة في الولايات الكبرى الرئيسية في وسط وشرق وغرب البلاد، على أن تتولى الدولة تمويلها استثناء، على عكس العرف السائد في الجزائر، وهو أن الدولة لا تبني المساجد، غير أن بقاءها ـ الجزائر ـ دون معلم حضاري وثقافي وتاريخي يليق بمقام الإسلام بديار الجزائر على مرور 15 قرنا طرح إشكالا رئيسيا دفع برؤساء الجزائر المتعاقبين لبحث فكرة المشروع المدمج الذي يجمع بين رسالة العبادة ورسالة البعد الثقافي والحضاري والرسالي لوجود معلم يعكس الهوية الحضارية للشعب الجزائري.

بعد صدور القرار في الجريدة الرسمية، واجه المشروع معركة أساسية لا تقل خطورة عن الأولى وهي معركة اختيار الأرضية، وخاصة عندما نعرف أن الفكرة تعود إلى السنوات الأولى للاستقلال والمتمثلة في بناء معلمين تاريخيين تتمكن الجزائر من خلالهما من مسح الإهانة الاستعمارية التي وجهها الجنرال ديغول سنة 1958 الذي قرر إطلاق مشروع قسنطينة لضرب الثورة وتجفيف منابعها ببناء محتشدات للجزائريين ومنعهم من التواصل مع الثورة والمجاهدين.

وتمكنت الجزائر من تنفيذ المشروع خلال العقد الماضي، وبحرص شديد من الرئيس الحالي عبد المجيد تبون، الذي شغل حقيبة السكن والعمران والمدينة، في الفترة بين 2012 و2017، وهي الفترة التي عرفت تقدما هائلا في اشغال المشروع الذي كتب له الله أن يصلي فيه رئيسا للجمهورية شهر أوت 2000.

عبد المجيد تبون يصلي في جامع الجزائر

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق