أراء وتحاليلالرئيسية

فرنسا الماكرونية وأحفاد الحركى لن يُركّعوا الجزائر

زكرياء حبيبي

لم تُفاجئني تصريحات الرئيس الفرنسي امانويل ماكرون، التي تطاول فيها بشكل مفضوح على الجزائر، خلال اللقاء الذي جمعه بأبناء وأحفاد الحركى في فرنسا، بل إنني كنت ولا زلت أنتظر ما هو أسوأ من ذلك من فرنسا، التي يُطالب بعض المسؤولين، وبعض رؤساء الأحزاب، ماكرون، بالإعتذار للجزائر.

فكأنني بهؤلاء يريدون إيهامنا بأنه بمُجرّد أن يعتذر ماكرون عن جرائم فرنسا في الجزائر، ستتغير صورة الجزائر عند المسؤولين الفرنسيين نحو الأفضل.. وستحتل الجزائر مواقع مُتقدمة للغاية في “الحُبّ الفرنسي”.

بالمُقابل أتمنى على السلطات الجزائرية، أن تتخذ إجراءات حاسمة، تُوقف هذا “القزم الأوروبي” عند حُدوده، فماكرون برأيي، ما كان ليُطلق تصريحاته العفنة المُلوثة ببقايا العقيدة الإستعمارية الفرنسية، لو أنه لم يكن على يقين، بأنّ الجبل سيتمخض في الجزائر ليلد فأرا، مثل ما حدث في عديد المناسبات في وقت سابق.

فعديد المسؤولين السامين السابقين في مؤسسات حساسة ووازنة في الجزائر، يحملون الجنسية الفرنسية، هم وزوجاتهم وأبنائهم، وغيرهم من المسؤولين لا قدرة لهم على إزعاج فرنسا، لأن أملاكهم من عقارات وملاهي ليلية وفنادق وغيرها، إضافة إلى حساباتهم بالعملة الصعبة، كُلّها في فرنسا،

وأكثر من ذلك كُلّه، أن البعض ما وصلوا إلى مراتبهم العُليا إلا بفعل رضا فرنسا وتزكيتها لهم، ولو أنّ فرنسا رفعت الحظر عن أرشيفنا إبّان الثورة التحريرية المُباركة، لصُدم الجزائريون، بحقيقة أنّ فرنسا لم تخرج أبدا من الجزائر، فأبناؤها من “الحركى” أي الخونة، وأبنائهم، تبوّؤوا مناصب غاية في الحساسية في “جزائر الإستقلال”، الجزائر التي ضحى من أجل تحريرها إبان الثورة فقط، أكثر من مليون ونصف المليون من الشهداء.

أقول كلّ هذا الكلام، لأخلص إلى نتيجة حتمية، وهي أنّ فرنسا لن تعتذر لا عن جرائمها ضد الإنسانية إبان الحقبة الإستعمارية، ولا عن وقاحة رئيسها ماكرون، وحتى وإن إعتذرت، عن الوقاحة، فإنها ستصفها ب “المزحة”، أمّا جرائمها الإستعمارية، فستقول “إنّها قربان إرساء المدنية والتحضر في الجزائر”، وما دُمنا لحدّ الساعة نستجدي فرنسا التي هتَكت عرض “جزائر الشهداء”، الإعتذار وكفى، فلن ننتظر مُستقبلا سوى المزيد من هتك هذا العرض، واستباحة سيادة الجزائر، ما دام أنّ الثمن المطلوب من فرنسا هو الإعتذار، “وكفى المُؤمنين القتال”.

للحظة إفترضت، لو أنّ الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، هو من تجرّأ على إطلاق مثل هكذا تصريحات مُماثلة ضدّ فرنسا، فكيف سيكون ردّ الفرنسيين عليها، بكلّ تأكيد لا يُمكن أن نتوقع أي ردّ مُغاير للرّد الفرنسي على “حادثة المروحة” الذي شكّلت الذريعة لغزو واستعمار الجزائر،–

وهنا أشير إلى أن ما أشار به الداي حسين في وجه القنصل الفرنسي، لم يكن مروحة للتهوية، وإنما مروحة لإبعاد الذُّباب-، وهو ما لم تتقبل فرنسا الإشارة إليه بوضوح إلى يومنا هذا، حتى لا تخدُش كبريائها وعنجهيتها، ففرنسا في حال لو إفترضنا أن التصريحات كانت من الطرف الجزائري، لكانت قد لجأت إلى مجلس الأمن الدولي لاستصدار قرار، يُجيز لها “تأديب الجزائر”، حتى لا نقول غير ذلك.

ماكرون، لم يستفد بعد من زلاّت وأخطاء سابقيه، ويتوهم بأنه سيمحُو أطنان بل جبال الغضب الجزائري، التي خلّفتها “تصريحاته الإستعمارية”، التي جاءت هذه المرة في حضرة “أبناء وأحفاد خونة الثورة التحريرية المباركة”، فماكرون صاحب “التصريحات الاستعمارية”، يعي جيّدا ما يقول، وبخاصة إذا تعلّق الأمر بالجزائر، التي أحبطت مُخطّط فرنسا الإستعماري الجديد، الذي حاول ماكرون بمُساعدة الصهاينة و المملكة المغربية، إطلاقه في إفريقيا، لاستكمال مشروع سلفيه ساركوزي وهولاند الذّين أسّسا دولة للقاعدة في ليبيا، تحت شعار تحريرها من “ديكتاتورية” العقيد الراحل معمر القذافي.

ونرى اليوم أيّ مستوى من الحُريّة والتحرّر بلغته ليبيا، مع حُكم ثُوار الناتو، وهذا برغم التعتيم الإعلامي ومُحاولات إظهار “ليبيا الجديدة” أنّها نجحت في تأصيل “الديموقراطية”، لكنّ الواقع يُؤكد بجلاء أنّ الناتو سرق من الليبيين أمنهم، بعدما تمكن من سرقة ثرواتهم، وحوّل دولتهم إلى أكبر مُجمّع لإرهابيي القاعدة في شمال إفريقيا

وهو ما حاولت بعض الأبواق الإعلامية في الجزائر، التي أصابتها تُخمة الدولارات عندنا، تحريفه من خلال إعطاء الفرصة لأكبر مُجرمي الناتو ومُرتزقته من الليبيين، وعلى رأسهم الإرهابي عبد الحكيم بلحاج، لتغليط الجزائريين، والكذب عليهم، ونفي أي علاقة لهم بالهجوم الإرهابي على المحطة الغازية “تيقنتورين” بالجنوب الجزائري !،

وهنا أذكر بأنّنا كنّا دائما نُحذّر من أن غزو ليبيا كان هدفه الأساس إقامة مُعسكر إقليمي لإرهابيي القاعدة للانقضاض على الجزائر بالأخص، وما دام أنّ الجيش الجزائري أحسن التعامل مع مرتزقة السوء، وأُمّهم فرنسا، وأجهض المشروع الصهيوني ولو إلى حين، فمن البديهي أن تثور ثائرة مُهندسي “الربيع العربي”، من الصهاينة وفرنسا وخدمهم في القصر الملكي المغربي، للثّأر من جزائر الشهداء، ومن البديهي أن يقود الحملة، رئيس كماكرون،

لكن اليقين كلّ اليقين، أن ماكرون ولو إعتذر آلاف المرّات، لن ينجح على الإطلاق في تمرير سُمومه الصهيونية إلى الجزائر، ولو استقدم كلّ أجداده من الصهاينة، لأنّ جزائر الثورة، لم ينجح فيها الصهاينة إلا في الفرار منها، بعد هزيمة فرنسا الإستعمارية، وهم اليوم يُراهنون على فرنسا، وبعض الخونة بدُول الجوار الجزائري، لتحطيم القلعة الأبية، أي الجزائر، التي تحُول دون تدفق جيوش الإستعمار الجديد على إفريقيا.

وكعادته، فالتاريخ سوف لن يُهيّئ لهؤلاء سوى مقابر لحفظ جُثثهم، لأنه، أي التاريخ لا يُسجّل في أرشيفه الذهبي، إلا بُطولات العُظماء، ويحجز وللأسف زوايا مُظلمة لخونة الشُّعوب، حتى تتّعظ منهم أجيال المُستقبل، وتتفادى الإنزلاق إلى مُستنقعهم، والحال كذلك، نقول لفرنسا الماكرونية، أنّ أبناء وحفدة جيل نوفمبر يتشوّقون للقائك مرّة أخرى، ولن يُطالبوك البتّة بالإعتذار..

فالجزائر التي تطاول عليها هذا الصّعلوك الماكروني، هي من مكّنته من هزم غريمه هولاند، ظنّا منها أنّ هذا الصّعلوك سيكون أفضل وأحسن من سابقه، وما دام أنّ الجزائر قادرة على قلب الموازين في أعلى هرم السُّلطة الفرنسية، فلن تكون عاجزة مرّة أخرى على إحالة ماكرون إلى مزبلة التاريخ، لأنّنا وبرغم يقيننا بأنّ هنالك عُملاء لفرنسا في الجزائر وفي شتى المستويات، إلا أنّنا مُتأّكدون بأن لنا ملايين الجزائريين في الدّاخل الفرنسي، بمقدُورهم قلب السحر على الساحر، الذي إن غامر أكثر فسيجد أمواجا جزائرية في الداخل الجزائري ستُغرقه وتُغرق مُحرّكيه من الصهاينة ومن والاهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق