أراء وتحاليلالجزائرالرئيسيةالعالمثقافةسلايدر
أخر الأخبار

تقرير غرافيكا: القوة الناعمة وحرب الجيل الرابع ضد الجزائر

د . أحمد بن سعادة، ترجمة: علي إبراهيم

على عكس القوة الصلبة التي تستند إلى القوة القسرية الكلاسيكية، تستخدم القوة الناعمة الجذب الإيجابي والإقناع لتحقيق أهداف السياسة الخارجية. وبالتالي فالأمر يتعلق بالقدرة على التأثير بشكلٍ ناعم على فرض سلوك أو طريقة تفكير مماثلة أو مشابهة لتلك التي يمتلكها مستخدم تلك التقنية. ولذلك فإن نجاحها يعتمد على الشعور بأنك غير مجبرعلى القيام بذلك. من هنا، فإن القوة الناعمة لا تحقق أهدافها إلا إذا لم يتم النظر إليها على أنها تلاعب أو دعاية.

وفقًا لمصممها الذي يتمتع بنفوذٍ كبير، جوزيف ناي، فإنّ القوة الناعمة تستند إلى ثلاث ركائز: القيم السياسية، والثقافة، والسياسة الخارجية. وتعليقًا على هذه النظرية، قدم البروفيسور جي جون إيكينبيري التفاصيل التالية في المجلة الشهيرة فورين أفيرز:

“يمكن للولايات المتحدة أن تهيمن على الآخرين، لكنها أيضًا برعت في إبراز القوة الناعمة، بمساعدة شركاتها ومؤسساتها وجامعاتها وكنائسها ومؤسسات المجتمع المدني الأخرى؛ لقد كانت ثقافة أمريكا ومُثُلها وقيمها بالغة الأهمية في مساعدة واشنطن على جذب الشركاء والأنصار “.

من الواضح أنّ تصدير الديمقراطية، وهو مجال راسخ ومهيمن في السياسة الخارجية الأمريكية، يستخدم القوة الناعمة. ففي مقالته التي تتناول القوة الناعمة الأمريكية في الثورات الملونة، ذكر عالم الأنتروبولوجيا بوريس بيتريك أنّ “منظماتٍ غير حكومية أمريكية هي الجهات الفاعلة الرئيسية في هذا الترويج للديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية […]”.

أوضحت سوزان لياوتود هذه العلاقة بين المنظمات غير الحكومية والقوة الناعمة بشكلٍ جيد في مقالتها “القوة الناعمة للمنظمات غير الحكومية: المسؤولية الجادة، والاستراتيجية الصعبة، والمساءلة الصارمة” والتي أشارت فيها إلى أنّ “المنظمات غير الحكومية والجهات الفاعلة الأخرى في القطاع غير الهادف للربح مطالبة باستخدام القوة الناعمة بشكلٍ مسؤول وبأخذ عواقب هذا الاستخدام بعين الاعتبار ”

وقد ثبت أيضًا أنّ هذه المنظمات غير الحكومية الأمريكية نفسها، الحكومية وغير الحكومية، لعبت نفس الدور فيما يسمى خطأً “بالربيع العربي”. لقد تم تحقيق الربيع في بعض الدول العربية المستهدفة بمساعدة القوة الناعمة للولايات المتحدة من خلال تدريب وتشبيك نشطاء الإنترنت “المحليين”، أي الذين يحملون جنسية البلدان المستهدفة. هذه الثورات التي تم الترويج لها وبيعها على أنها “فصل جميل” تبين أنها ليست سوى عمليات”تغيير النظام” مصحوبة بالفوضى والدمار والخراب.

بعد عقدٍ من الزمان، لا تزال هذه المنظمات غير الحكومية نشطة، لا سيما في الحراك الجزائري.

وكما لاحظ ألبرت أ. نوفي، فإنّ القوة الناعمة هي أحد الموارد التي تستند إليها حرب الجيل الرابع، هذه الحرب الحديثة التي يعرفها فرانسوا برنارد هويغي بأنها “تتوافق مع ثورة المعلومات ” محددًا أنها “تقوم بحشد شعوبٍ بأكملها في استقطابٍ يشمل جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية”.

فيما يتعلق بالاستخدام العسكري للمعلومات، أوضحت كريستينا إم كنوب وإريك ج. زيجلماير أنّ: “المعلومات سلعة تفسح المجال لترسانات السلاح وقد أصبحت بيئة المعلومات حيوية لنجاح العمليات العسكرية. إنّ مجال المعلومات، الإنترنت على وجه الخصوص، هو اليوم أرضية حاسمة يجب امتلاكها من أجل ممارسة تأثيرٍ اقتصادي ودبلوماسي مهيمن. وهذا هو سبب إدماج الولايات المتحدة رسميًا “لحرب الاتصالات “في عقيدتها […]”.

أصبحت هذه “الترسانة” من المعلومات فعّالة من خلال النمو السريع للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. حول هذا الموضوع، يقدم وسيم أحمد قريشي بعض التفاصيل:

“إنّ التطورات التكنولوجية الحالية (سهولة الوصول إلى المدونات الإعلامية والإنترنت) تجعل الدعاية والتلاعب بالحقائق أكثر سهولة وفي الوقت نفسه توسيع عواقب عمليات حرب المعلومات من خلال التسبب في آثار ضارّة جسيمة”

يُظهر البحث الذي سيتم تقديمه في هذا المقال صراحةً أنّ الجزائر تخضع حاليًا لحربٍ من الجيل الرابع استفادت من اضطراب الحراك لتنتشر بخبث.

الحراك والقوة الناعمة وحرب الجيل الرابع

تم تكريس كتابٍ ومقالات عديدة لدور منظمات تصدير الديمقراطية الأمريكية وعلاقاتها مع الحراك و “قادته”. لن يتم تناول هذا الجانب من القوة الناعمة في هذا العمل، ولكن القراء المهتمين يمكنهم مراجعة الروابط المقترحة.

ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ القوة الناعمة المستخدمة في حروب الجيل الرابع لها تقنياتٍ أخرى فعاّلة أكثر من بعضها البعض.

تم ذكر إحدى هذه التقنيات في إحدى مقالاتي التي يرجع تاريخها إلى ديسمبر 2019. يتعلق الأمر بتكليف شخصٍ أكاديمي يتمتع بالصدقية بكتابة نصٍ خاطئ تمامًا في مجلة موثوق بها من أجل التلميح إلى سلوكٍ معين وتقديمه على أنه صحيح ومناسب في حين أنه في الواقع غير معقول على الإطلاق. ومن الأمثلة النموذجية على ذلك البروفيسور روبرت زاريتسكي، أستاذ التاريخ الفرنسي بجامعة هيوستن، الذي لفت الأنظار من خلال نصٍّ سخيف في مجلة فورين أفيرز. في الواقع، في 26 نوفمبر 2019  أي قبل أسبوعين فقط من الانتخابات الرئاسية الجزائرية، كتب الأستاذ: “ْ إنّ فشل الانتخابات سيكون نجاحًا ديمقراطيًا“.

أمر مذهل! وفقا لهذا الأستاذ الذي يعيش في بلدٍ يفترض أنه ديمقراطي فإنّ “عدم التصويت عمل ديمقراطي”! لكن أيّ نوعٍ من  الديمقراطية يريد هذا الأستاذ المختّل تصديره؟

ومع ذلك، سيتذكر التاريخ حملة التخويف البغيضة للناخبين خلال هذه الانتخابات، وهو عار لابد أن يكون قد أسعد كثيرًا السيد زاريتسكي ، الذي تم تكليفه بالتأكيد بإلحاق الأذى بالجزائر.

في الآونة الأخيرة ، ظهرت تقنية جديدة من خلال نصٍ صغير بارز نشرته صحيفة Le Figaro الفرنسية في 31 يوليو 2021 وقد بدت تلك التقنية أكثر خبثًا من أسلوب الأستاذ من هيوستن. وهي تهدف إلى إقناع الجمهور بأنّ الدولة الجزائرية تستخدم تلاعباتٍ سيبيرانية غير شريفة “للدفاع عن مصالح الرئيس الجزائري” في الوقت عينه الذي ترعى “حملات مضايقة” ضد المعارضين السياسيين.

تقوم الصحيفة الفرنسية بالإشارة إلى أنّ هذه المعلومات تأتي من تقرير أعدته شركة أمريكية تسمى غرافيكا Graphika ، “متخصصة في التقنيات الجديدة وتحليل الشبكات الاجتماعية”. لا أحد مغفّل. من الواضح أنّ هذه الإشارة تسعى إلى إضفاء المصداقية على هذه الشركة، وبالتالي إضفاء الصدق على تقريرها.

هيئة أمريكية أخرى تهاجم الدولة الجزائرية بشكلٍ عام والمؤسسات الرئاسية والعسكرية بشكل خاص! لن يكفّ هؤلاء الأمريكيين عن ذلك كما يبدو بشكلٍ جازم !

لكن من هي جرافيكا؟ من يقف وراء هذا الاسم الجميل وما هي مجالات اهتمامها ومن يمولها؟

على عكس ايميليان ارتمان Emilien Hertement ، الصحفي من Le Figaro الذي نقل الخبر بغباء، سنهتم أولاً وقبل كل شيء بهذه الشركة من أجل فهم دوافعها والاستفسار عن جديتها. بعد ذلك، سوف ندرس بالتفصيل تقريرها الذي استشهدت به صحيفة لو فيغارو.

غرافيكا وروابطها المشبوهة

وفقًا للمعلومات الواردة على موقعها الإلكتروني الرسمي، فإنّ Graphika هي “شركة تحليل شبكات، تأسست في عام 2013 على يدّ الدكتور جون كيلي، الذي درس في أطروحته الصعود السريع للمحادثات عبر الإنترنت باستخدام” تحليل شبكة العلاقات بين المؤلفين عبر الإنترنت، وليس فقط محتوى رسائلهم “.

ووفقًا لموقعها أيضًا، تلقت Graphika التمويل من قبل DARPA و “مبادرة مينيرفا” و “لجنة مجلس الشيوخ الأمريكي المختارة لشؤون الاستخبارات” و “مؤسسة الفارس”.

 

دعونا نتعرف على هؤلاء الممولين:

تشير DARPA إلى وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة وهي وكالة تابعة لوزارة الدفاع الأمريكية مسؤولة عن البحث وتطوير تقنياتٍ جديدة للاستخدام العسكري.

مبادرة مينيرفا هي مبادرة جامعية بحثية في العلوم الاجتماعية ترعاها وزارة الدفاع الأمريكية وتركز على المجالات ذات الأهمية الاستراتيجية لسياسة الأمن القومي للولايات المتحدة. في عام 2008 تم إطلاق هذه المبادرة من قبل روبرت جيتس، وزير الدفاع آنذاك، وهي تهدف إلى تحسين الفهم الأساسي لوزارة الدفاع فيما يتعلق بالقوى الاجتماعية والثقافية والسلوكية والسياسية التي تصوغ مناطق العالم ذات الأهمية الاستراتيجية للولايات المتحدة. منذ البداية، ركّز البرنامج، بالإضافة إلى أمورٍ أخرى، على البحوث الأكاديمية التي تتناول الصين والعراق والإرهاب والإسلام المتطرف. عند إطلاقه، تلقى المشروع 50 مليون دولار من وزارة الدفاع الأمريكية لتمويل تلك البحوث.

يتم الإشراف على المنح البحثية من قبل مديري البرنامج التابعين لمنظمتين عسكريتين للبحوث الأساسية: مكتب البحوث العلمية التابع للقوى الجوية (AFOSR) ومكتب البحوث البحرية(ONR).

لجنة مجلس الشيوخ المختارة للاستخبارات” هي لجنة أنشأها مجلس الشيوخ الأمريكي في عام 1976 للإشراف وإجراء الدراسات المستمرة للأنشطة والبرامج الاستخباراتية لحكومة الولايات المتحدة.

تقدم مؤسسة الفارس Knight نفسها كمؤسسة أمريكية وطنية تستثمر في الصحافة والفنون وتهدف إلى تعزيز المجتمعات المستنيرة والملتزمة التي تعتقد أنها ضرورية من أجل ديمقراطيةٍ سليمة. ومع ذلك، تتعاون هذه المؤسسة بنشاطٍ مع مؤسسة المجتمع المفتوح التابعة لجورج سوروس، والوقف الوطني للديمقراطية، ومؤسسة فريدوم هاوس، والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية.

تشكل هذه المنظمات الأربع العمود الفقري للآلة الأمريكية لتصدير الديمقراطية التي قمنا بتوضيحها في مقالاتٍ سابقة.

وهذا ليس كل شيء. حيث تقول Graphika إنها مرتبطة بجماعات حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم “لمراقبة التهديدات الرقمية التي تستهدف المستخدمين المعرضين للخطر”.

في الواقع، يتعلق الأمر بمنظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية و “الحملة السورية”. من المعروف أنّ أول منظمتين يتم تمويلهما إلى حدٍّ كبير من قبل مؤسسة المجتمع المفتوح. ويجب ألا ننسى أنهما كانتا (إلى جانب كياناتٍ أخرى تعمل في مجال حقوق الإنسان) وراء قرار البرلمان الأوروبي ضد الجزائر، بعد أيامٍ قليلة من الاستفتاء على الدستور الجزائري الجديد. صدفة مضحكة، أليس كذلك؟ مثل صدفة مقال الأستاذ زاريتسكي المثير للشفقة قبل عام.

إنّ ارتباط جرافيكا بـ “الحملة السورية” يكشف بشكلٍ كبير عن دور المعلومات المضللة والدعاية والتعاون الوثيق لهذه الشركة مع الحكومتين الأمريكية والبريطانية.

ترتبط “الحملة السورية” التي تسمي نفسها “منظمة غير ربحية مسجلة في المملكة المتحدة” ارتباطًا وثيقًا بـ “الخوذ البيضاء”، وهي منظمة حماية مدنية سورية تصدرت عناوين الصحف في عام 2016 (اقرأ مقالي حول هذا الموضوع، والذي كتبته في ذلك الوقت).

في الواقع، فإنّ هؤلاء “المنقذين” الذين تمّ تصويرهم على أنهم أبطال في الغرب يتم تمويلهم من قبل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وهي أكبر المنظمات الأمريكية “المصدرة” للديمقراطية. تحدد وثيقة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لعام 2018 أنه تم تقديم منحة قدرها 6.25 مليون دولار إلى “الخوذ البيضاء”، بالإضافة إلى 33 مليون دولار تم دفعها لهم منذ عام 2013. كما تم تمويل هذه “الخوذ البيضاء” بشكلٍ كبير من قبل بريطانيا العظمى عبر “وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث”. اعتبارًا من 31 مارس 2018، بلغ إجمالي التمويل المقدم لهم من قبل حكومة المملكة المتحدة 38،425،591.23 جنيهًا إسترلينيًا. الأمر الذي جعل جولي هايلاند، الصحفية والناشطة البريطانية، تقول:

“بتمويلٍ من صندوق الصراع والاستقرار والأمن التابع للحكومة البريطانية وبرنامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ، فإنهم [” الخوذ البيضاء “] جزء من شبكةٍ من القوات الجهادية المدعومة من الغرب المكلفين تنظيم عملية تغيير النظام “.

وفقًا لفانيسا بيلي، الصحفية المستقلة التي عملت على نطاقٍ واسع على الأرض في سوريا والعديد من البلدان الأخرى في المنطقة، فإنّ “الخوذ البيضاء” “مرتبطة ماليًا بلندن وواشنطن (وغيرهما)، البلدين الغربيين الرئيسيين المنخرطين في الحرب بدون تفويض في سوريا […] وأنّ أعضاء الخوذ البيضاء حافظوا على صلات مع الجماعات الجهادية المتمردة، مثل فتح الشام، المنظمة التي نتجت عن اندماج النصرة وأحرار الشام ”.

تم تدمير أسطورة “الخوذ البيضاء” من قبل عدد من الصحفيين والباحثين المشهورين بما في ذلك إيفا بارتليت وجون بيلجر وغاريث بورتر وفيليب جيرالدي وكريغ موراي ومفتش الأسلحة السابق للأمم المتحدة سكوت ريتر.

غرافيكا وأبرز شخصياتها العامة

من بين الشخصيات العامة في جرافيكا أسماء الإنجليزي بن نيمو (مدير الأبحاث) والفرنسية كامي فرانسوا (مديرة الابتكار).

انضم بن نيمو إلى Graphika في عام 2019، لكن شيئاً لم يكن ينبئ عن قدره في تولي هذا المنصب. ونجد سيرة حياته الفريدة في مقالٍ مفصّل في صحيفة نيويورك تايمز.

في الواقع، درس بن نيمو الآداب في جامعة كامبريدج، وعمل مدرسًا للغوص في مصر، وكاتبًا وصحفيًا متجولاً في أوروبا. في عام 2011، عمل مع الناتو كملحقٍ إعلامي أول عن روسيا وأوكرانيا حتى عام 2014. ثم أصبح باحثًا مستقلاً وبدأ العمل حول روسيا بموجب عقد مع مؤسساتٍ فكرية مؤيدة – للديمقراطية مثل “معهد فن الحكم” الذي يقود مشروع ممول من “مكتب الخارجية والكومنولث” يسمى “مبادرة النزاهة”. يهدف هذا البرنامج، الذي تم إنشاؤه في عام 2015، إلى مواجهة وزيادة الوعي بالمعلومات المضللة القادمة من دول مثل روسيا والصين وكذلك الجماعات المتطرفة مثل داعش. ولمحاسن الصدف ، فهذه دول و / أو منظمات مستهدفة أيضًا من قبل “مبادرة مينيرفا”.

خلال الحملة الانتخابية الأمريكية لعام 2016، عمل السيد نيمو مع المجلس الأطلسي، وهو مركز أبحاث غير رسمي تابع لحلف الناتو.

للحصول على فكرة عن أهمية “مجموعة الفكر” هذه، يحتاج المرء فقط إلى الرجوع إلى القائمة اللافتة لأعضاء مجلس إدارتها. حيث نجد هناك هنري كيسنجر، وجوزيف ناي (مصمم القوة الناعمة)، والجنرال ديفيد بتريوس (قائد التحالف العسكري في عهد بوش الابن ورئيس قوات الناتو وكذلك مدير وكالة المخابرات المركزية في عهد أوباما)، ستيفن هادلي (مستشار الأمن القومي لبوش الابن)، روبرت جيتس (المذكور أعلاه – مدير وكالة المخابرات المركزية في عهد بوش الأب ووزير الدفاع في عهد بوش الابن وأوباما). هناك أيضًا جيمس بيكر، وليون بانيتا، وكولين باول، وجيمس ووسلي، وبيتر أكرمان وغيرهم. وسوف أتجاوز بقية هذه القائمة لأنها تصيب بالدوار (القارئ مدعو لاستشارة هذه الصفحات لمزيد من التفاصيل: الرابط 1 والرابط 2). للتاريخ فقط، كان جيمس ووسلي مديرًا لوكالة المخابرات المركزية في عهد بيل كلينتون وأدار فريدم هاوس. من جهته، ساعد بيتر أكرمان في تأسيس مؤسسة ألبرت أينشتاين التي يديرها أستاذه اللامع جين شارب، منظّر مفهوم “النضال اللاعنفي” الذي استخدم في الثورات الملونة و “الربيع” العربي . تم تطوير نظريته في العديد من الكتب وخاصة في كتاب “من الديكتاتورية إلى الديمقراطية”، الذي أصبح قصة النوم لجميع الثوار اليافعين في جميع أنحاء العالم.

لنعد الآن إلى بن نيمو. ساعد في تأسيس مختبر الأبحاث الشرعي الرقمي التابع للمجلس الأطلسي، وهو مجموعة مقرها واشنطن تدرس المعلومات المضللة عبر الإنترنت.

في عام 2018، أعلن فيسبوك عن شراكته مع ذلك المختبر من أجل “تحديد وكشف وشرح المعلومات المضللة المتعلقة بالانتخابات في جميع أنحاء العالم“، ومنح المجلس الأطلسي و بن نيمو إمكانية الوصول إلى البيانات الخاصة لمليارات مستخدمي فيسبوك.

جعل فيسبوك منه ومن المختبر أول الأجانب المسموح لهم بدراسة شبكات المعلومات المضللة على موقعه قبل أن يقوم بغلق تلك الشبكات.

في نهاية مقالها، أوضحت صحيفة نيويورك تايمز أن غرافيكا والمختبر تلقتا تمويلًا من فيسبوك.

في 5 فبراير، أعلن بن نيمو رحيله عن غرافيكا من أجل الانضمام إلى فيسبوك حيث سيساعد في “قيادة استراتيجية الاستخبارات العالمية بشأن التهديدات ضد عمليات النفوذ”. دون أن ننسى بالطبع أن نقول “مرحباً” لزميلته ومعاونته كامي فرانسوا.

لم يمر هذا الخبر مرور الكرام دون أن يلاحظه أحد، بل على العكس تمامًا. إذ أنه على موقع The Grayzone، على سبيل المثال، يمكن للمرء قراءة مقال بعنوان “فيسبوك يعين بن نيمو المسؤول الصحفي السابق في حلف شمال الأطلسي والرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي بن نيمو كخبير استراتيجي للاستخبارات” ، بينما أورد موقع Mint Press News عنوان ” فيسبوك يتشارك مع مجموعة المجلس الأطلسي، وهي جماعة ضغط من الصقور تابعة لحلف الناتو.

الآن دعونا ننتقل إلى الشخصية العامة الثانية لغرافيكا التي تدعى كامي فرانسوا. تخرجت كامي من كلية العلوم السياسية وتلقت منحة من  برنامج فولبرايت، وكانت عضوًا في “مبادرة الأمن السيبراني لأمريكا الجديدة”، وباحثة رئيسية في Jigsaw (منشار التخريم)، وأدارت مشاريع بحثية حول الأمن السيبراني وحقوق الإنسان لصالح “وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة”، وعملت لفريق “ماركت انسايت”  التابع لشركة جوجل Google  (انظر هذا الرابط).

مبادرة الأمن السيبراني لأمريكا الجديدة هي منظمة تمولها وزارة الخارجية الأمريكية (وغيرها من الجهات) ، ومؤسسة الفارس ، والمجتمع المفتوح، وجوجل، ومايكروسوفت، وآبل، وفيسبوك.

Jigsaw  (منشار التخريم) (كان اسمها السابق أفكار جوجل) هي مؤسسة فكرية وحاضنة تقنية ضمن Google / Alphabet بقيادة جاريد كوهين. عمل الأخير في وزارة الخارجية الأمريكية كعضو في لجنة تخطيط السياسات بوزارة الخارجية الأمريكية، ثم عمل لاحقًا كمستشار مقرب لوزيري الخارجية كوندوليزا رايس وهيلاري كلينتون. على سبيل المثال، كان هو الذي اتصل شخصيًا بالمؤسس المشارك ورئيس تويتر، جاك دورسي، ليطلب منه تأجيل أعمال الصيانة على خوادم تويتر حتى لا يعطل أنشطة ناشطي الإنترنت الإيرانيين خلال احتجاجاتهم المناهضة للحكومة. في عام 2009.

لكن أكثر ما يلفت الانتباه هو دوره في تدريب النشطاء السيبرانيين العرب استعدادًا لـ “الربيع” العربي. في الواقع، كان جاريد كوهين أحد مؤسسي “تحالف الحركات الشبابية” (أعيدت تسميته  باسم Movements.org ) والتي تعرف نفسها على أنها منظمة أمريكية غير ربحية (وفقًا لموقعها) والتي تعرض مهمتها بوضوح: 1) تحديد النشطاء الإلكترونيين في المناطق المهمّة ؛ 2) جعلهم على اتصال مع بعضهم البعض، ومع الخبراء وأعضاء المجتمع المدني ؛ 3) دعمهم من خلال تدريبهم وتقديم المشورة لهم وتزويدهم بمنصة لبدء الاتصالات وتطويرها بمرور الوقت (لمزيد من التفاصيل ، انظر مقالتي حول هذا الموضوع).

كما أوضحنا سابقًا ، فإنّ وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة هي وكالة تابعة لوزارة دفاع الولايات المتحدة تقوم بتمويل غرافيكا. كم هو العالم صغير!

ووفقًا لما ورد في سيرتها الذاتية، فقد تم تعيين كاميل فرانسوا أيضًا من قِبل Google ضمن فريق “ماركت انسايت” . وكمديرةٍ مساعدة للأبحاث، تخصصت في البحث عبر الإنترنت حول الشركات الفرنسية الصغيرة والمتوسطة وأدارت برامج تتبع العلامات التجارية والخصوصية التابعة لجوجل من أجل نشر الإدراك بين الجمهور وصناع الرأي الرئيسيين.

ولإكمال الحلقة، تدربت السيدة فرانسوا في عام 2014 في مدرسة الناتو في أوبراميرغاو (ألمانيا) على “العمليات السيبيرانية” كما هو محدد أيضًا في سيرتها الذاتية.

الهيكل التنظيمي لارتباطات غرافيكا ـ إنقر على الصورة لتكبيرها

غرافيكا، متلبسة بالجريمة

شاركت غرافيكا في العديد من المواضيع المثيرة للنزاع فيما يتعلق (1) “برصد” شخصٍ معين ومستهدف بالمعلومات المضللة على وسائل التواصل الاجتماعي و 2) بدورها كـ “كلب شمّام” تم تدريبه لخدمة القادة العسكريين والأطلسيين والغربيين.

لتوضيح هذه النقطة ، سوف نذكر مثالين تعليميين.

1- قضية جيريمي كوربين

عقب انتخاب جيريمي كوربين كرئيس لحزب العمال البريطاني بنسبةٍ كبيرة جدًا بحصوله على ما يقرب من 60٪ من الأصوات في عام 2015 قامت حملة إعلامية شنتها “وسائل الإعلام السائدة” تهدف إلى تشويهه شخصياً وحرمانه من أية شرعيةٍ سياسية مهمة.

قبل كل شيء، أكسبته مواقفه المؤيدة للفلسطينيين هجمات من اللوبي الصهيوني بسبب مزاعم معاداة السامية بعد نجاحه الانتخابي. بعد سنوات قليلة، مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية لعام 2019، تصاعدت الاتهامات وأصبحت أكثر حدة. ليس هناك أي مجال لوجود اشتراكي “معاد للسامية” في 10 داونينج ستريت.

بالإضافة إلى هذه الاتهامات الباطلة، تم التخطيط لقضيةٍ أخرى لتوجيه الضربة القاضية لاحتمال أن يتولى كوربين ذات يوم منصب رئيس الوزراء البريطاني: “تواطؤه” مع روسيا. هذا الاتهام، الممزوج بهذه “الرياضة” الغربية المعروفة باسم “التحامل على روسيا “، كان من المفترض أن يكون، لا أكثر ولا أقل، طلقة الرحمة على هذا المشروع.

حول هذا الموضوع، كتب الصحفيان الاستقصائيان بن نورتون وماكس بلومنتال في 8 ديسمبر 2019:

“قبل أيام من الانتخابات الوطنية في المملكة المتحدة في 12 ديسمبر، صعّدت وكالات الاستخبارات البريطانية والمنظمات المدعومة من الحكومة الأمريكية هجماتها على كوربين، مستعيرةً تكتيكاتٍ من الهستيريا الأمريكية المسماة روسيا غيت، وبذلت جهودًا كبيرة لتقديمه – دون أي دليل ملموس. – على أنه دمية مفترضة للكرملين الحقير “.

في غضون ذلك، نشر الصحفي مات كينارد تحقيقًا مفصلاً بعنوان واضح جدًا: “كيف تعمل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية البريطانية على منع جيريمي كوربين من تولي منصب رئيس الوزراء”.

وذكر أنّ مسؤولي الجيش والمخابرات البريطانيين كانوا وراء ما لا يقل عن 34 تقريرًا إعلاميًا وطنيًا رئيسيًا يصورون جيريمي كوربين على أنه تهديد للأمن البريطاني.

في 27 نوفمبر 2019، في خضم الحملة الانتخابية، قدم فريق جيريمي كوربين ملفًا مهمًا يتناول المفاوضات السرية بين حكومة المحافظين بوريس جونسون والإدارة الأمريكية بهدف خصخصة الخدمة الصحية الوطنية البريطانية، مكذّباً بالتالي وعود منافسه المحافظ.

وبعد أقل من أسبوع تمّ استعمال المدفعية الثقيلة لمواجهة التهمة.

قال بن والاس، وزير الدفاع البريطاني، إنّ “جيريمي كوربين لعب دور” الأحمق المفيد “للكرملين من خلال تقويض حلف شمال الأطلسي لعقود مما يجعله غير لائق لشغل منصب رئيس الوزراء”.

وكتأكيد لتلك المزاعم، عنونت صحيفة ديلي تلغراف الموالية للمحافظين مقالها “ملف كوربين يشير بأصابع الاتهام إلى الروس”.

حذت صحيفة الغارديان حذوها، مضيفةً أنّ وثائق كوربين “نُشرت على الإنترنت بواسطة ملصقات باستخدام الأساليب الروسية”. كما قامت وسائل إعلام أخرى مثل The Daily Beast و BBC و Washington Post بإعادة نشر الخبر.

ليس “استنساخ” هذه المعلومات هو ما يجذب الانتباه، بل حقيقة أنّ جميع وسائل الإعلام اعتمدت على مصدر واحد فقط: غرافيكا ومدير أبحاثها بن نيمو. تفضل إذن!

مقاطع من مقال الجارديان:

“قال بن نيمو، رئيس التحقيقات في غرافيكا: “ما نقوله هو أنّ الجهود الأولية لتضخيم تسريب ملف الخدمة الصحية الوطنية البريطانية تشبه إلى حدٍ بعيد التقنيات التي استخدمتها حملة انفيكشن (العدوى) السوفييتية في الماضي (عملية انفيكشن عبارة عن حملة سوفياتية للتأثير على الرأي العام بأنّ الولايات المتحدة اخترعت الإيدز- من المترجم)، وهي عملية روسية معروفة. لكن ليس لدينا كل البيانات التي تتيح لنا اتخاذ قرار نهائي في هذا الشأن “.

مثل هذا الاتهام الخطير، الذي حملته وسائل إعلام ثقيلة ومؤثرة، بناءً على مصدرٍ واحد وعلى … الريح.

الأمر الذي جعل نورتون وبلومنتال يقولان:

“لم يكن هناك مقال واحد يغطي القصة كلّف نفسه عناء إبلاغ القراء عمن يكون نيمو، أوقدّم تفاصيل عن قوى الدولة االنافذة التي تقف وراء غرافيكا.”

وأضافا:

“في الواقع، نيمو ليس خبيرًا في البيانات أو صحفيًا، ولكنه سكرتير صحفي سابق لحلف الناتو عمل سابقًا في مصنع الدعاية السرية” مبادرة النزاهة “، التي مولتها وزارة الخارجية البريطانية في سبيل التسبب بصراعاتٍ مع روسيا “.

بقية القصة يمكنكم تخمينها: لقد خسر جيريمي كوربين انتخابات 12 ديسمبر 2019.

2- فضيحة روسيا غيت

إنّ قضية روسيا غيت هي القضية السياسية-القضائية التي سميت بها المزاعم حول تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016. وقد تم تنظيم ضجة إعلامية لإثبات أنّ هزيمة هيلاري كلينتون كانت فقط بسبب تواطؤ فريق دونالد ترامب و الكرملين عبر جيش من المتصيدين الروس الذين يجوبون وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة فيسبوك وتويتر.

كما هو متوقع، عُهد بإثبات تلك المزاعم إلى فريق من جامعة أكسفورد و … شركة Graphika. التي مثّلها مؤسسها، جون كيلي، وكامي فرانسوا.

من البديهي أنّ التقرير، الذي أوصت به في عام 2018 اللجنة المختارة للاستخبارات التابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي، التي ذكرناها سابقًا، يؤكد المزاعم. حيث يمكننا أن نقرأ في التقرير:

“شنّت وكالة أبحاث الإنترنت الروسية هجومًا طويل الأمد على الولايات المتحدة باستخدام دعاية الكمبيوتر لتضليل الناخبين الأمريكيين واستقطابهم.”

تُظهر البيانات حول الوكالة الروسية التي عرضت في لجنة الاستخبارات من خلال منصات وسائل التواصل الاجتماعي الأمريكية والإنترنت جهدًا مستدامًا للتلاعب بالرأي العام الأمريكي وتقويض الديمقراطية. مع سنواتٍ من الخبرة في التلاعب بالرأي العام في روسيا، استخدمت وكالة أبحاث الإنترنت الروسية منصات وسائط التواصل الاجتماعية الرئيسية، بما في ذلك فيسبوك و انتسغرام و تويتر، لاستهداف الناخبين الأمريكيين واستقطاب مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة “.

بعد عامٍ، صدر تقرير المدعي العام روبرت مولر، المدعي الخاص الذي يحقق في التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية لعام 2016. كان الاستنتاج الرئيسي للتقرير أنه لم يكن هناك اتفاق بين أعضاء فريق ترامب وروسيا.

وصفت صحيفة لوموند ديبلوماتيك روسيا غيت بأنها “كارثة” وعلقت على التقرير على النحو التالي:

تمثل العناصر الأولى المعروفة في تقرير مولر هزيمةً للجزء الأكثر اعتدالًا في الحزب الديمقراطي، ولحزب الحرب على روسيا، وللإعلام. […] أخيرًا، يشكل هذا التقرير صفعةً مذهلة على الوجه تقريبًا لجميع وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى التي جعلت من “روسيا غيت” تجارتها طوال عامين “.

صفعة أيضا لغرافيكا و “خبرائه”.

استمرت مطاردة الساحرات حتى الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020. وأصدرت غرافيكا تقريرًا آخر في سبتمبر 2020 وقّعه بن نيمو وكامي فرانسوا وغيرهما يستهدف موقعًا يُدعى PeaceData يُفترض أن يكون ممولًا من وكالة الأبحاث الروسية.

كتبت صحيفة نيويورك تايمز حول هذا الموضوع:

أعلن كلاً من فيسبوك وتويتر يوم الثلاثاء: “عادت المجموعة الروسية التي تدخلت في الانتخابات الرئاسية لعام 2016، باستخدام شبكة من الحسابات المزيفة وموقع إلكتروني مصمم ليبدو وكأنه موقع إخباري يساري. حملة التضليل التي شنتها المجموعة المدعومة من الكرملين والمعروفة باسم وكالة أبحاث الإنترنت هي أول دليل علني على أنّ الوكالة تحاول تكرار جهودها قبل أربع سنوات وإبعاد الناخبين عن المرشح الرئاسي الديمقراطي جوزيف بايدن جونيور لمساعدة الرئيس ترامب “.

ردت شركة PeaceData بشدة على هذه الاتهامات، واصفة إياها بالافتراء والأكاذيب.

في الواقع، لاحظ بعض المراقبين ذوي البصيرة أنه، على عكس ما قالته غرافيكا و نيويورك تايمز، نشر موقع PeaceData عدة مقالات تنتقد ترامب بشدة، بما في ذلك مقال وصفه بأنه “غير مستقر وغير متوازن”. من ناحية أخرى، لم تقدم غرافيكا في تقريرها أي دليل على تمويل الوكالة الروسية للموقع.

تم إغلاق حسابي PeaceData على فيسبوك و تويتر بشكل واضح على أساس تقرير غرافيكا و “خبرائها” بن نيمو وكامي فرانسوا.

غرافيكا والجزائر

بعد مراجعة الشبكة الهائلة من العلاقات السياسية العسكرية المتاحة لغرافيكا و “خبرائها” وكذلك “المهمات” رفيعة المستوى التي كلفوا بها، تخطر على البال عدة أسئلة: لماذا الجزائر؟ لماذا الان؟ ما هو الهدف؟ من أوصى بالدراسة؟ من قام بتمويلها؟ ومن عمل معهم لتزويدهم بالتفاصيل اللازمة؟

بادئ ذي بدء، يجب الاعتراف بأنه إذا كانت غرافيكا مهتمة بالجزائر، فذلك لأن هذا البلد يمثل تحدياً جيوستراتيجياً مهماً للولايات المتحدة. وهذا يؤكد ما طرحته في مقالاتي العديدة وكتبي الأخيرة حول هذا الموضوع.

التوقيت مهم أيضا. في الواقع، مع تعثر الحراك “المغشوش”، فإنّ هذا التدخل الواضح في السياسة الداخلية للجزائر يسعى إلى خلق اضطرابٍ جديد غير صحي في الحياة السياسية للبلاد. بالإضافة إلى ذلك، من الغريب أن يأتي نشره بعد فضيحة بيغاسوس التي استهدفت الجزائر. وبدلاً من أن تكون ضحية، تم اعتبار الجزائر مذنبة من قبل غرافيكا.

لمحاولة الإجابة على الأسئلة بشكل كامل، دعونا نعود إلى تقرير غرافيكا عن الجزائر.

يحدد ملخص التقرير مضمونه:

شارك فيسبوك مجموعة من الحسابات والصفحات والمجموعات مع غرافيكا لمزيدٍ من التحليل قبل إزالتها من منصاته. كشف تحقيقنا عن جهدٍ متعدد المنصات على مدى عدة سنوات لتعزيز مصالح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، منذ ترشيحه للرئاسة لعام 2019، إلى الاستفتاء الدستوري العام الماضي و الانتخابات التشريعية في يونيو التي شهدت مقاطعةً واسعة. تداخل هذا النشاط مع حملةٍ مستمرة من المضايقات والترهيب استهدفت الحراك الاحتجاجي في الجزائر، والتي أدت على مدى العامين الماضيين إلى نزول آلاف الأشخاص إلى شوارع البلاد للمطالبة بطرد النخبة الحاكمة وإنهاء الفساد. . يجب أن يُنظر إلى هذه المحاولات المشتركة للتلاعب والتشويه والاستقطاب في المحادثات السياسية عبر الإنترنت في الجزائر على خلفية الحملة الحكومية المشار إليها ضد أصوات المعارضة وتأثير وباء كورونا الذي أجبر العديد من الجزائريين على تغيير فضاء احتجاجاتهم إلى الإنترنت “.

نستخلص من ذلك الاستنتاجات التالية:

  • كما أوضحنا سابقًا ، يعمل فيسبوك مع غرافيكا ؛
  • يتم حذف المواقع التي تعتبر “غير مرغوب فيها” بناءً على توصية غرافيكا ؛
  • تعمل غرافيكا في السياسة وليس في تحليل الشبكات.
  • النهج الدستوري الذي تبنته الدولة الجزائرية لكسر الجمود لا يرضي غرافيكا.
  • تدعم غرافيكا سياسة “ليتنحوا جميعهم – يتنحاو قاع” التي تنادي بها بشكل خاص المنظمات غير الحكومية (المدربة والممولة من قبل المنظمات الأمريكية “المصدرة” للديمقراطية) والإسلاميين “الخارجيين” والانفصاليين أنصار الماك.
  • تتخذ جرافيكا موقفا ضد مؤسسات الدولة الجزائرية وتدعم الجماعات المذكورة أعلاه، واثنتان منها تعتبران من المنظمات الإرهابية.
  • الدولة الجزائرية تتلاعب بالمعلومات، لكن لاتوجد كلمة واحدة عن التلاعب الذي لا يقاس للمجموعات الثلاث المذكورة ؛
  • يسمح فيسبوك ( وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي) (يشجع؟) بالاحتجاجات عبر الإنترنت لأولئك الذين يناضلون من أجل المرحلة الانتقالية، لكنه يغلق حسابات أولئك الذين يدعمون المسار الدستوري.

الآن دعونا ننتقل إلى ما تسميه غرافيكا براهين على مزاعمها. يبدأ التقرير بمقال عن نور الدين بوقروح جاء فيه التعليق على النحو التالي:

“بشكلٍ عام، أظهرت الحسابات والصفحات التي حددها فيسبوك كعلاماتٍ واضحة على التنسيق، بالإضافة إلى استخدام هويات مزيفة وممارسات خادعة أخرى لتضليل المستخدمين. في رسمٍ توضيحي لافت للنظر بشكل خاص في يونيو من هذا العام، نشرت 42 صفحة من الصفحات المحددة نفس الصورة بتعليقات متطابقة تهاجم معارضي الحكومة الجزائرية. قدمت العديد من هذه الصفحات نفسها على أنها جماعات مؤيدة للديمقراطية أو وسائل إعلام مستقلة “

يا له من مستوى في التحليل! لو كان هرقل بوارو موجوداً لفقد شاربه!

الكذب وعكس الأدوار:

1- تدعي غرافيكا أنه تم وصف نور الدين بوقروح بأنه “مجنون” بينما في الحقيقة هو من يصف رئيس الجمهورية الجزائرية بهذه الطريقة.

2- بالإضافة إلى ذلك تؤكد غرافيكا أنّ الأمر يتعلق بـ “هجوم منسق ضد خصم” بينما يتعلق الأمر بإحدى مقالاتي المنشورة على موقعي ردًا على رسالته.

اتضح أنّ الأمر يتعلق بمقالتي بعنوان “معتوه اسمه بوقروح” والتي تم نشرها على موقعي بنفس الصورة ولكن تم التقاطها أيضًا من قبل مواقع أخرى (موقع 1 ، موقع 2 ، موقع 3 ، إلخ). لذلك من الطبيعي أن تلتقطه صفحات فيسبوك، كما هو الحال مع جميع مقالاتي. قصيدتي الأخيرة في تكريم جمال بن إسماعيل، على سبيل المثال، تناولتها عشرات الصفحات بالكامل. اين المشكلة؟ أليست الشبكات الاجتماعية مستخدمة لهذا؟ أم أنه حلال عند البعض وحرام على البعض الآخر؟

وراء هذا الجانب، ما يلفت الأنظار هو التسمية التوضيحية:

“لقطات تظهر النشر المنسق لهجومٍ يصف المعارض نور الدين بوقروح بـ” الجنون “بعد فترة وجيزة من انتقاد تبون”.

هذه كذبة محضة! كان السيد بوكروح هو من وصف الرئيس عبد المجيد تبون بالجنون في منشور على فيسبوك! بكل وضوح في عنوان المنشور!

سؤال لـ غرافيكا و فيسبوك : ألا يستحق الاتهام الكاذب لرئيسٍ حالي بالجنون إغلاق حساب السيد “السليم العقل”؟

بالإضافة إلى المؤسسة الرئاسية، فإنّ المؤسسة العسكرية الجزائرية هي التي تم تشويه سمعتها، كما لو أن هذه المؤسسات نفسها، في الولايات المتحدة أو في الغرب، ليس لها الحق في التعبير عن نفسها حول حالة الأمة. مثل كل دول العالم، للجزائر مؤسسات الدولة الخاصة بها وتعبر عن نفسها في وسائل الإعلام التي تراها مناسبة لرسالتها.

قد يبدو غريباً، إلا أنّ تقرير غرافيكا ينتقد حق المؤسسة العسكرية في القيام بتحقيقاتٍ صحفية عن “الأخبار الكاذبة” وإدانة تصرفات بعض الجماعات التي تهدد أمن وسيادة الجزائر.

يذكر التقرير بالتحديد “كريم طابو” (تم ذكره 3 مرات) ، “أمير DZ” (4 مرات)، “حركة رشاد” (4 مرات) ، “محمد العربي زيتوت” (5 مرات) ومراد دهينة.

“وشملت الأهداف الرئيسية منذ عام 2019: كريم طابو – شخصية معارضة اعتقلته الشرطة الجزائرية في عامي 2020 و 2021؛ أمير بوخرص (أمير الجزائر)، معارض ضد النظام في فرنسا؛ واثنين من مؤسسي حركة “رشاد” السياسية – محمد العربي زيتوت، المقيم في المنفى في لندن، ومراد دهينة المقيم في سويسرا. في مارس 2021، كانت محكمة جزائرية ستصدر مذكرات توقيف بحق بوخرص وزيتوت بتهمة “الإرهاب”.

كما يتم تقديم “قادة الحراك الذين نصّبوا أنفسهم”، وهم مصطفى بوشاشي وزبيدة عسّول وكريم طاب ، على أنهم “منتقدون للنظام الجزائري”.

كما لو أنّ الأمر مصادفة، فإنّ جميع الأشخاص المذكورين، دون أي استثناء، يتعاونون معًا كما هو موضح في كتابي عن الحراك وهم بالطبع جميعًا من أنصار المرحلة الانتقالية.

من الواضح أنّ رؤية غرافيكا (ورعاتها) ثنائية: هناك الخير والشر. الطيبون هم من تسميهم “شخصيات المعارضة” والشريرون هم الدولة ومؤسساتها الرئاسية والعسكرية.

من ناحيةٍ أخرى، لم يتم الحديث عن عدد لا يحصى من حسابات فيسبوك المرتبطة، بشكل مباشر أو غير مباشر، بهذه “الشخصيات” والتي تشوه سمعة هذه المؤسسات نفسها ليلًا ونهارًا.

لمزيد من التفاصيل ولفهم دور هذه المجموعات التي ركبت الحراك الجزائري، فإنّ القارئ مدعو لمراجعة مقابلتي حول هذا الموضوع.

يجب أن يقال أن بعض المقاطع من تقرير غرافيكا تلامس حد الاستهزاء. احكموا بأنفسكم.

“لقد أثنت صفحات وحسابات الشبكة باستمرار على الجيش الوطني الشعبي الجزائري. قامت الشبكة بتضخيم لقطات من التدريبات التدريبية وغيرها من الأحداث، وكذلك التعابير والرسوم المتحركة الموالية للجيش، وكلها تصور الجيش الجزائري على أنه الحامي القوي للشعب الجزائري المجهز تجهيزًا جيدًا “.

فهل من الممنوع الثناء على جيش بلدك؟ سواء شاءت غرافيكا أم أبت، فإنّ المؤسسة العسكرية لا تحمي الشعب الجزائري فحسب، بل تحمي أيضًا وحدة وسيادة بلدها.

هراء آخر ورد في التقرير: غرافيكا تتهم بعض الصفحات بأنها روجت للانتخابات التشريعية في 12 يونيو 2021. ولكن ما الخطأ في الرغبة في تشجيع المواطنين على أداء واجبهم الانتخابي؟ لماذا إذن لم يذكر التقرير أي شيء عن هؤلاء “الديمقراطيين العظماء”، وعن الأفعال المبتذلة لهؤلاء “الشخصيات المعارضة” الذين منعوا الناس في الخارج بعنفٍ من التصويت؟ من الواضح أنّ المخبرين “الأصليين” لم يخبروا “الخبراء” في غرافيكا بالقصة الكاملة. أم أنّها هي التي قامت بغربلة المعلومات لشيطنة مؤسسات الدولة الجزائرية وتقديس هذه “المعارضة” التي تعمل على تدمير البلاد بمباركة العم سام وحلف شمال الأطلسي؟

يجب أن يُقال الأمر بوضوح: على العمل العلمي الموثوق به أن يحلل بالضرورة أنشطة بطلي الرواية وألا يُظهر عمىً انتقائياً لصالح الشخص الذي يريد دعمه. يُظهر تقرير غرافيكا ضعفًا منهجيًا صارخًا لدرجة أنّ ما يسمى بعملها “العلمي” هو في الواقع مجرد دعاية لجانبٍ تم اختياره، وهو الجانب نفسه الذي اختارته أجهزة “تصدير” الديمقراطية الأمريكية من أجل إنجاز عملية “تغيير النظام” في الجزائر من خلال القوة الناعمة.

لا تتوقف غرافيكا عند هذا الحد. وقد ذهبت إلى حد تخصيص قسم عن المغرب وفرنسا بعنوان “المغرب الخبيث، فرنسا الخائنة”.

وهي تدّعي أنّ الإعلام في هذين البلدين يهتم بالجزائر وأنّ الجزائر تقوم بالتشهير بهم. أثناء مهاجمتها لقنوات التلفزيون الحكومية الجزائرية، تقدم غرافيكا فرانس 24 كقناة مسالمة، ولم تحدد أنها إحدى القنوات الحكومية الفرنسية التي تعمل مباشرة مع وزارة الخارجية والتي كان دورها في الحراك متحيزًا للغاية (حتى لا نقول عدائياً للغاية تجاه الجزائر) كما أوضحت في إحدى مقالاتي المنشورة في عام 2019. ليس من قبيل المصادفة سحب اعتماد هذه القناة في الجزائر في يونيو 2021.

أما بالنسبة للمغرب، فقد تم التغاضي عن تصرفاته العدائية والعدوانية على وسائل التواصل الاجتماعي ضد الجزائر. ربما ينبغي تذكير غرافيكا بقضية بيغاسوس، والتي لم تذكر شيئًا عنها بالطبع. ألم يتجسس المغرب على 6000 شخص في الجزائر، أم أن هذه “أخبار كاذبة” من المؤسسات الرئاسية أو العسكرية؟

وكان ذلك من المتوقع. محمد العربي زيتوت، أحد أعضاء حركة رشاد المذكورة في تقرير غرافيكا، جعل منها مادته الشيقة في واحدة من إسهالاته اللفظية التي لا نهاية لها عبر الإنترنت.

الأمرالذي يجيب بشكلٍ طبيعي على السؤال المهم: من المستفيد؟

استنتاج

تتيح لنا هذه الدراسة استخلاص الاستنتاجات التالية:

  • يتم تمويل غرافيكا من قبل كيانات مرتبطة بشكلٍ مباشر أو غير مباشر بالإدارة الأمريكية، وإدارة المملكة المتحدة، وحلف شمال الأطلسي، ومنظمات “تصدير” الديمقراطية الأمريكية ؛
  • لا تجري شركة غرافيكا دراسات لتوعية المواطنين. بل تهتم فقط بوسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بالدول التي تستهدفها الولايات المتحدة أو بعض الدول الأعضاء في الناتو مثل بريطانيا العظمى ؛
  • في السنوات الأخيرة، كانت الدول الرئيسية التي استهدفتها دراسات غرافيكا هي روسيا والصين وإيران.
  • الدراسات حول روسيا وفيرة وعدوانية للغاية، مما يؤكد تأثير المجلس الأطلسي، وهو مركز أبحاث غير رسمي تابع لحلف الناتو ؛
  • تمتلك شركة غرافيكا علاقاتٍ مع بعض عمالقة الإنترنت، إما بشكل مباشر أو من خلال “خبرائها” ؛
  • تعمل غرافيكا مباشرة مع فيسبوك وتزوده بقائمة الصفحات المطلوب حذفها ؛
  • عند قيامه بذلك، فإن فيسبوك ليس مستقلاً، ولكنه يتصرف مثل شركة تشارك في تنفيذ السياسة الخارجية الأمريكية وحلف شمال الأطلسي (هذا ليس شيئًا جديدًا: لقد تمت مناقشة التواطؤ بين بعض عمالقة الويب والإدارة الأمريكية بإسهاب في كتابي “$Arabesque“. $ “وبعض مقالاتي) ؛
  • لم تدرس شركة غرافيكا وسائل التواصل الاجتماعي الجزائرية بشكلٍ عَرضيَ. يشير التوقيت والانحياز والهجمات المباشرة ضد المؤسسات الأساسية للدولة الجزائرية إلى أنّ هذه الدراسة تمت بتكليفٍ من مجموعات أو دول تؤيد “تغيير النظام” في الجزائر وتعمل من أجل ذلك ؛
  • وتتضح هذه النقطة الأخيرة من قراءة التقرير الذي يعرض مؤسسات الدولة الجزائرية بشكل سلبي ويعرض لما يسميه “شخصيات المعارضة” بشكلٍ إيجابي.
  • من جهة أخرى، لم تجر أية دراسة حول استخدام “شخصيات معارضة” لوسائل التواصل الاجتماعي، مما يزيل كل الجوانب العلمية من التقرير ويجعله بالتالي أداة دعايةٍ خالصة ضد الجزائر.
  • تم حجب العلاقات بين “شخصيات معارضة” معينة والإدارة الأمريكية (الموضحة في كتابي حول الموضوع) تمامًا في التقرير، نستنتج أن غرافيكا تلعب دورًا مشابهًا ومكملاً لمنظمات “تصدير” الديمقراطية الأمريكية.
  • تشير هذه النقاط الثلاث الأخيرة إلى أنّ غرافيكا، وكذلك المؤسسات المختلفة (سواء كانت حكومية أم لا) التي تتعاون معها، تساند وتدعم بنشاط “شخصيات المعارضة” ضد الدولة الجزائرية ؛
  • كل هذا يقودنا إلى استنتاج أنّ غرافيكا هي أداة أخرى في ترسانة القوة الناعمة الأمريكية، وهي متخصصة في “ساحة معركة” جديدة هي العالم الافتراضي لوسائل التواصل الاجتماعي.
  • إنّ الأعمال التي قامت بها المنظمات الأمريكية “لتصدير الديمقراطية” بشكل عدواني، جنبًا إلى جنب مع المنظمات غير الحكومية الحقوقية” بالإضافة إلى هجمات شركة غرافيكا، تُظهر، بطريقةٍ لا لبس فيها، أنّ الجزائر تعيش حاليًا تحت وطأةٍ ثقيلة من النيران
  • المستعرة للحرب من الجيل الرابع.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق