أراء وتحاليلالرئيسيةسلايدرعاجل

الصهاينة المشفرون

يقلم  د. جمال لعبيدي و د. أحمد رضوان شرف الدين

توجد حول الصهيونية منطقة رمادية يتموضع فيها أولئك الذين يدعمون إسرائيل ولكنهم يرفضون بشدة وصفهم بالصهاينة: هؤلاء هم الصهاينة المشفرون أي أشباه الصهاينة

الصهيوني المشفر ليس صهيونيا وليس مناهضا للصهيونية أيضا، لكن لولا وجود الصهيونية لما وجد، بمعنى أن لا وجود لأحدهما دون وجود الآخر. وهو غير قابل للتعريف كذلك، فلا يمكن تقديمه إلا من خلال وصف مواقفه.

الصهيوني المشفر ليس يهوديا، لكن قد يكون كذلك. وهو كائن عقلاني لا يتبنى، مثلا، المرجعية الدينية التوراتية والمسيحانية عن حق ملكية الأرض في فلسطين؛

كذلك عندما يتحدث في موضوع “المحرقة” فذاك من أجل التأكيد على ضرورة وجود دولة تحمي اليهود ضمن وطن قومي لهم. وهو علماني في كل الأحوال،

لكنه متسامح مع التطرف الديني اليهودي أكثر مما هو متسامح مع الحركة الإسلامية، كما أنه  لا يرى حرجا في كون إسرائيل دولة يهودية، لكن قيام دولة فلسطينية إسلامية يحرجه، بل يثير سخطه العلماني.

 الصهيوني المشفر و الحركة الإسلامية

الموضوع المتكرر لدى الصهيوني المشفر هو موضوع  “خطر الحركة الإسلامية”، رغبة منه في إدراج القضية الفلسطينية ضمن نزاع عالمي مع الحركة الإسلامية.

لأجل ذلك يقوم بربط الصلة بين الحادي من سبتمبر في الولايات المتحدة والهجوم على مطعم ” البطاكلان” بباريس من جهة، وبين السابع من أكتوبر في غزة من جهة أخرى،

أي بين الأحداث الجارية بفلسطين وبين الحرب الشاملة على ” الإرهاب الإسلامي”. ويقوم هكذا بتذويب القضية الفلسطينية فيما يعتبره مؤامرة إسلامية كبرى وحرب الحضارات.

حقا يحلو له الترديد بأنه ليس مناهضا للفلسطينيين وإنما للإسلاميين، وقد يقدم، في بعض الأوقات، على التصريح بأنه مع دولة فلسطينية،

إلا أنه لن يرضى أبدا بدولة إسلامية فلسطينية، موضحا بأنه لا يحارب الشعب الفلسطيني بل حماس.

وإذا قيل له بأن النتيجة واحدة بما أن الفلسطينيين يؤيدون حماس في الوقت الراهن، لا يقر بهذه الحقيقة.

وقد أصبح الصهيوني المشفر، في ظل الأحداث الجارية، معجبا بمنظمة فتح، ” المقهورة ” حسبه، من طرف حماس،

كما أنه أصبح يثني على ” النزعة العلمانية لمنظمة التحرير الفلسطينية ” بعد أن كان في السابق يصفها ب “الإرهابية الخطيرة “.

ينتمي الصهيوني المشفر عادة لليسار، لكن من الممكن أيضا أن ينتمي لليمين وحتى لليمين المتطرف، علما أن دلالات هذه الألفاظ نسبية تماما وتتطور بحسب المكان والزمان.

باختصار، يمكن العثور على الصهيون المشفر في جميع العائلات السياسية الغربية، لكنه يتميز عن غيره من أعضائها، في كل الحالات، بحمله نزعة تغريبية وأطلسية. إن الفكرة الرئيسية التي تشكل الركن الأساسي لمدونته الإيديولوجية هي ” إسرائيل الحصن المتقدم للغرب “.

وبما أنه تغريبي قبل كل شيء، وبما أن الغرب سيطر أو أثر على كافة بلدان العالم بدرجات متفاوتة، لا يقتصر وجود الصهيوني المشفر بالضرورة على حاملي هوية ثقافية أو دينية بعينها.

لذا يمكن أن نعثر عليه، من حين لآخر، بين النخب التغريبية للبلدان العربية والإسلامية والتي تتقاسم مع الصهيونية المشفرة الأوربية بعضا من مواقفها، لاسيما معاداتها لكل حركة إسلامية مهما كانت. في الوقت الراهن،

بإمكاننا التعرف على الصهيوني المشفر في البلدان العربية والإسلامية من خلال التزامه الصمت أو تبنيه موقفا حذرا ومتحفظا إزاء حرب الإبادة في غزة، من جهة، ومن خلال التعاطف الذي يحظى به لدى الأوساط المتنفذة والداعمة لإسرائيل في الغرب وفي إسرائيل ذاتها من جهة أخرى.

فمن المعلوم أن بلدان  الغرب وكذلك البلدان العربية التابعة لها تحرص كل الحرص على رعاية هذه النخب وعلى مكافأتها ومنحها قدرا من الشهرة ولو كانت زائفة. إنها حكاية ” فاوست” للكاتب غوتة التي تتكرر عبر العصور.

ينتمي الصهيوني المشفر بصورة عامة لعالم الثقافة، بالدرجة الأولى، ويملك مستوى ثقافيا راقيا نسبيا لأن ايديولوجيته تتطلب بلورة لائحة براهين ثقافية معقدة بعض الشيء،

منها، على سبيل المثال، استعمال المفارقة القائلة بأن ” إسرائيل تحرر الفلسطينيين من حماس ” عن طريق قصفهم وبأن ” حماس هي المسؤولة عن المذبحة في غزة وعن كل ما يجري فيها “، الخ.

يدعي الصهيوني المشفر بأنه ينتسب أولا وأخيرا للنزعة الإنسانية، كما يبدي أحيانا تعلقا بعادات وتقاليد اليسار الأوربي على وجه التحديد، التي يجد فيها مرجعية ” الكيبوتس الاشتراكي “، مثلا.

بهذا الشأن يتحسر ويذرف دموع حنان على وقوع كيبوتسات غلاف غزة ” تحت أولى ضربات سكان غزة “مع أنها “كانت توفر الشغل والرعاية الصحية للعمال الغزاويين”.

لكنه لا يطيق، في المقابل، أن يذكره الفلسطينيون، الذين يحبهم إلى هذه الدرجة، بأن الكيبوتسات تقع على أراضيهم. ومع أن أسطورة الفلسطيني النازح طيلة عقود من فلسطين إلى الأردن ومن الأردن إلى لبنان فتونس ثم إلى العالم بأسره،

قد حلت محل أسطورة اليهودي النازح، إلا أن الصهيوني المشفر لا ينظر إلى هذا الأمر على أنه مثير للشفقة وإنما كدافع لرفض عودة فلسطينيي الخارج رفضا باتا ” لأسباب موضوعية “، كما يقول، كونها تقلب التوازن السكاني القائم.

 الصهيوني المشفر ديمقراطي النزعة

يسعى الصهيوني المشفر باستمرار إلى البرهنة على أنه يحمل مشاعر طيبة للفلسطينيين وذلك عبر الظهور بمظهر المناهض لليمين المتطرف الإسرائيلي واستعمال أقسى العبارات بحقه؛ فالصهيوني المشفر يتقدم باستمرار في ثوب الشخص الديمقراطي.

إنه يجتهد ليرى في إسرائيل “يمينا ويسارا”، منددا باليمين المتطرف وبحكومة نتنياهو ومحملا إياهما المسؤولية الكاملة عما يحدث.

هذا المنطلق يتيح له إمكانية تقديم صورة لإسرائيل كبلاد ” عادية ” وإخفاء مشاكلها البنيوية كدولة استعمارية والتي تجعل الديمقراطية مستحيلة فيها خارج دائرة الساكنة الاستعمارية:

إنها مراوغة مفضوحة يقترح من خلالها خطاب الصهيوني المشفر ، في الحقيقة، أن ننتظر حتى ينتصر اليسار والديمقراطية في إسرائيل لكي يجد النزاع الإسرائيلي الفلسطيني حله. لقد مرت 75 سنة.

في الواقع، ما إن يجد الجد ويتأزم الوضع في إسرائيل، مثلما حدث في 07 أكتوبر الماضي وفي عدة مناسبات من قبل، ما إن تدق ساعة اتخاذ إجراءات ملموسة وحاسمة حتى يحضر شعار الاتحاد المقدس.

ويقف الصهيوني المشفر جنبا إلى جنب مع اليمين واليمين المتطرف الإسرائيليين لأن لإسرائيل “حق الدفاع عن نفسها “، بحسب ادعائه.

عندئذ لم يعد مطروحا، من وجهة نظره، سوى السؤال عن وجود الإسرائيليين ووجود إسرائيل ونكتشف بالنتيجة بأن الصهيونية المشفرة ما هي إلا الوجه الناعم للصهيونية ومقابلها اليساري،

وبأن دورها يتلخص، عبر حضورها على الساحة، في العمل من أجل قبول الغير بحضور وجهها الآخر، اليميني واليميني المتطرف، وإقناعه بأنها توازنه وتعوض عن مساوئه. ويبدو وجودها بالتالي وكأنه مبرر لوجود اليمين الصهيوني،

بل ويشكل ذريعة له. وهكذا تصبح الصهيونية مجرد رأي أو تيار أو نزعة قائمة داخل “دولة يحكمها القانون ويجري بداخلها الجدل الديمقراطي… الديمقراطية الوحيدة في المنطقة “.

إيديولوجية الضحية      

تشكل عقلية الضحية نقطة التقاء الصهيوني والصهيوني المشفر ، فالأخير يتأثر بشدة باستدلال الصهيونية بموضوع اليهودي المقهور على الدوام،

كما يرى مثلها أن الاضطهادات التي عانتها الضحايا اليهود تشكل أساس وجود دولة إسرائيل. لقد استغلت الصهيونية، كما هو معلوم، استغلالا واسعا فكرة الدولة اليهودية الحامية لليهود المعرضين باستمرار لأشكال من التمييز والظلم،

ولذلك تكون هذه الفكرة أيضا نقطة التقاء وتقارب قوية جدا بين الصهيونية والصهيونية المشفرة ، لاسيما أثناء فترات الأزمات التي تشهد احتداد عقلية الضحية واستغلال هذه العقلية بقوة وكثافة من قبل الدعاية الصهيونية والصهيونية المشفرة ، مثلما كان الحال في 07 أكتوبر.

الأمور ليست بسيطة بالفعل، ذلك أن إيديولوجية الضحية ظلت حية عند اليهود بالرغم من إنشاء دولة إسرائيل. ألا يقولون بأن الجيش الإسرائيلي أقوى جيش في المنطقة وبأن لا وجود، من حيث المبدأ، لخطر وجودي عليهم؟

ومع ذلك لا يتوقف الصهاينة عن الصراخ بأن هناك إرادة لإزالة إسرائيل ، كما لا يتوقفون كذلك عن نسج صور خيالية حول حملات مزعومة لمحق هؤلاء داعين إياهم إلى التجمع حول تلك النقطة الحساسة للغاية أو ذلك النوع من الجرح التاريخي الذي لا يندمل أبدا بفعل تعمد الحفاظ عليه مفتوحا.

من الواضح أن هذا الطرح يتيح لأصحابه إمكانية قلب الحقائق قلبا كاملا، في الواقع، لأنه إذا كان هناك من ضحية وشعب مهدد بالفعل بخطر وجودي، فهو الشعب الفلسطيني.

ومع ذلك لم تمنع هذه الحقيقة الساطعة ظهور وبقاء إيديولوجية الضحية، كما لم تمنع توظيفها لتبرير أفظع المجازر بحق الفلسطينيين، كاشفة بالتالي عن إصابة جماعية مؤكدة بالذهان الذي ينتقل المصاب به، كما هو معلوم، إلى ممارسة العنف لشعوره الدائم بأنه مهدد ومضطهد.

وعليه يصدق الصهيوني المشفر تصديقا أعمى بصحة الرواية الرسمية الإسرائيلية حول أحداث 07 أكتوبر الماضي حتى بعد أن أخذت دائرة الشك في صدقها تتسع، الشيء الذي يعد مؤشرا إضافيا يساعد على التعرف عليه في الوقت الحالي. إننا نؤمن بما نرغب في الإيمان به، أليس كذلك؟

ثم يقوم الصهيوني المشفر بعد ذلك بأداء دوره الخاص، فيزيد على تلك الرواية شيئا من علم النفس الجماهيري حول ” الذهول الذي تكون إسرائيل قد أصيبت به “، ليبرر وحتى يشرعن من خلاله عمليات القصف والمجازر التي تليها.

إنه لا ينسى التلفظ ببعض العموميات عن الضحايا الفلسطينيين، هذا صحيح، لكنه لا يقوم أبدا بإدانة الاغتيالات الجماعية في غزة. ” يجب، قبل كل شيء، اجتثاث حماس من جذورها وإلا كيف نتجنب تكرار 07 أكتوبر؟ “،

يقول الصهيوني المشفر ، متناسيا الواقع الماثل في حملات إسرائيل لتصفية ساكنة غزة، لا حماس كما يتصنع اعتقاده، وذلك دون أن يفكر ولو ثانية واحدة في الدور الذي يؤديه في الأيام العادية، دور رجل السلم والحلول السياسية.

متى تعتبر إسرائيل أن تصفية حماس قد تمت وتتخذ قررا بوضع حد للاغتيال الجماعي؟ مثل هذا الهدف الفاقد للدقة يمنح إسرائيل بالطبع حرية مواصلة الاغتيال الجماعي أو توقيفه كما تريد،

لكنه يسمح قبل كل شيء بإخفاء الهدف الحقيقي المتمثل في تصفية ساكنة غزة، تصفية جسدية أو عبر التهجير، ولما لا، تصفية جميع الفلسطينيين شيئا فشيئا.

عندئذ لا يبقى بين الصهيوني والصهيوني المشفر سوى فارق وحيد: الصهيوني يتبنى بتبجح وغطرسة مشروعه الهادف إلى محو الشعب الفلسطيني من فلسطين،

بينما الصهيوني المشفر يكتفي بإلقاء مسؤولية المحو على ” المتطرفين ” الفلسطينيين، بمعنى أن مكانته تنحدر أثناء الأزمات الحادة إلى درجة أقل حتى من مجرد وجه ناعم للصهيوني.

اليهودي المعادي للصهيونية ضد الصهيوني المشفر

هناك صفة أخرى يتصف بها الصهيوني المشفر وهي تتمثل في عدم تطرقه بصورة مطلقة تقريبا إلى مسببات النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني، التاريخية منها والحالية، وتفضيله تركيز النقاش على العنف.

كان ذلك دأبه في الماضي ولا يزال حتى اليوم مثل زعمه مؤخرا بأن المأساة الحالية بدأت بما يسميه ” مذبحة 7 أكتوبر “.

الصهيوني المشفر نقيض اليهودي المناهض للصهيونية. في ظل الظروف الحاضرة، يبرز الأخير أكثر فأكثر عبر العالم كلما تصاعد العنف الإسرائيلي.

كما يتميز عن الأول كذلك برفضه للنزعة الصهيونية المتمثلة في اعتبار استشهاد الشعب الفلسطيني تعويضا عن “محرقة” اليهود، واعتبار دولة إسرائيل هي الحل لمشكلة الهوية اليهودية.

من جهة أخرى، يرفض اليهودي المناهض للصهيونية إقامة رابط بين وجود الديانة اليهودية ووجود دولة مهما كانت، قاصدا بذلك أن تكون ذات رسالة كونية على غرار الديانات الأخرى.

فضلا عن الأوصاف التي سبق ذكرها، هناك صفة أخرى تخص الصهيوني المشفر أكثر من غيره: إنه يرى معاداة السامية في كل مكان وحيث لا يراها إلا هو، مفتشا عنها بهوس خلف الأقنعة.

فيما يلي نموذج استثنائي عن تفكيره في هذا الباب: يوم 20 ديسمبر الماضي، قدم أحد المثقفين والصحفيين الفرنسيين المعروفين، وهو جون فرانسوا كهن، على القناة الإعلامية الفرنسية، أل سي إي، التفسير التالي بعسر وتكلف:

” القول بأن إسرائيل ترتكب جريمة إبادة في غزة قول معاد للسامية لأنه يشير إلى مرجعية دون ذكرها صراحة مفادها أنه سبق لليهود أن تعرضوا لإبادة وها هم إذن يقومون بمثيلتها اليوم “.

إنه لجهد جهيد أليس كذلك ؟…

وزير الدفاع الصهيوني يزور المغرب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى