افتتاحية الجزائر اليومالرئيسيةسلايدرعاجل

الصحافة الوطنية.. الإطار الكلي والحتمية

بقلم: المعتز بالله منصوري

Ads

في العلوم الإجتماعية، هناك نظرية شهيرة تدعى “الكليانية”، والتي تنظر إلى الظواهر والأشياء من خلال بنية كبرى.

 ذات النظرية يعتد بها في السياسة، ويمكن الأخذ بها كلما برزت مشكلة، بوضعها في إطار كلي، بحيث تصبح (المشكلة) جزءا من الكل الذي لا ينبغي أن تفصل عنه.

سنقول، أن رد وزير الاتصال د. محمد لعقاب، على تساؤلات وانشغالات نواب المجلس الشعبي الوطني، أثناء مناقشة مشروع قانون الصحافة المكتوبة والصحافة الإلكترونية، يقع ضمن رؤية كليانية أو شاملة لمشاكل القطاع.

وبمعنى أبسط، قدم الوزير ردا شاملا على ثلاث مسائل يتكرر طرحها في كل فرصة ومناسبة وهي : الإشهار، مستوى الممارسة المهنية وهوامش الحرية.

أول ما يلاحظ هو أن لعقاب، نجح في تحطيم القيود المعنوية والمصطلحية التي تحاصر دوما النقاش حول اقتصاد الإعلام، ولا تجعله يخرج عن “الإشهار” و”الوكالة الوطنية للنشر والإشهار”.

لقد تجاوز شرك المصطلح الذي وضع قطاعا كاملا في طاحونة هواء لا تتوقف عن الدوران، حينما تحدث عن “سوق الإعلانات” بدل الإشهار، وربطه بمحيطه الطبيعي، المتمثل في الواقع الاقتصادي وشروط وضوابط المنافسة.

ومن كلام لعقاب، يفهم أن معالجة قضية الإعلانات، لا تتوقف عند إيجاد آلية لتوزيع إشهار الوكالة الوطنية للنشر والإشهار، بطريقة ريعية تتوخى التوازن، وإنما بوضع الإعلانات والوكالة في حد ذاتها في المناخ الاقتصادي اللازم.

  وحدد طرفي المعادلة بالنسيج الاقتصادي منتج، وازدهار سوق الإعلانات، كما قال بصريح العبارة إن الوضع المزري للصحافة الوطنية اليوم، ناتج عن “ضعف مادي وليس ضعف تحريري”.

ولم يعد خفيا أن هذا الوضع أدى بشكل أو بآخر، إلى تغيير طبيعة وتوجه الجهد الإعلامي، بالتحول من التنافس على رفع مستوى الإنتاج الإعلامي بشكل مستدام إلى التنافس على الظفر بحد أقصى من إعلانات “أناب”.

لقد كرر الوزير، مرارا عبارة “الإعلام بحاجة إلى أموال”، مستدلا بالإعلام الأجنبي والعربي، الذي بلغ مستوى مرموقا بفضل استكتاب أفضل الكتاب والمحلليين مقابل التعويضات المالية المستحقة، الأمر الذي لم نصل إليه بعد في الجزائر.

ويقصد لعقاب بحديثه، قضية جوهرية غائبة عن الإعلام الجزائري، وهي الإستثمار. فعندما يستثمر ناشر في أقلام وعقول عالية التأهيل يطرح مضمونا نوعيا للجمهور، والمنتوج الإعلامي القوي يستقطب بالضرورة إعلانات المعلنين.

 النقاش حول الإعلام والإشهار يبدو لكثيرين أنه ينطبق تماما على قصة البيضة والدجاجة، مما يمنح الفرصة لإثارته من باب المطلب الذي لا ينبغي التوقف عنه حتى وإن كان جدلا عقيما.

لكن، الأصل المتفق والمتعارف عليه، هو أن الإعلام يبدأ كاستثمار، مادي وأيضا فكري وثقافي وسياسي.

والاستثمار سيأتي بالضرورة بنتائج متفاوتة، لوسائل الإعلام، تمثل في صلبها المعايير والضوابط التي يعتد بها لقياس جاذبية استقطاب الإعلانات أو الحصول عليها.

من هذا المنطلق، تحدث الوزير، عن التوجه نحو وضع ضوابط مهنية وأخلاقية لسوق الإعلانات في الجزائر، بالشكل الذي لا يستثني القطاع من تكريس قيم الجدارة والاستحقاق. وسيتم إدراجها في مهام وصلاحيات سلطات الضبط.

أجوبة الوزير، تخطت الحواجز الوهمية التي توضع عادة بين الإشهار العمومي والدعم العمومي غير المباشر للصحافة. فلا يصح تجاهل أو التقليل من حجم دعم الدولة للورق والطباعة وتكفلها بالفوارق التجارية لإصدار نسخة صحيفة.

كما ربط الحرية بمسؤولية الامتثال لضوابط الأخلاق والقانون، نافيا تدخل أية جهة وصية من أجل فرض خط تحريري.

المسؤول الأول عن قطاع الاتصال، أثار أيضا، دعم الدولة وتدخلها لتقوية الإعلام الوطني، ليثير بشكل غير مباشر مسألة “الحتمية”.

والمقصود هنا، هو تحديد صريح وشجاع لما يتحتم القيام به لإخراج الصحافة الجزائرية من حالة الهشاشة الشاملة التي تعانيها اليوم.

وسيكون مهما جدا، وضع الإجابات الصحيحة، لأسلئة جريئة، من قبيل، هل الحفاظ على الصحافة التقليدية بشكلها الحالي “حتمية” لبلوغ إعلام وطني قوي؟ أم أن الحتمية اليوم تكمن في الاستثمار في الصحافة الالكترونية والتحكم في كل الاستخدامات التكنولوجيات الحديثة وتكوين الصحفيين لاستعادة وهج الصحافة الجزائرية؟.

ويمكن إضافة سؤال آخر، حول مدى حتمية حسم اتخاذ القرارات المناسبة لتطوير القطاع، أم أن عامل الوقت لا يهم بقدر أهمية استمرار تدوير النقاش ؟.

وزير الاتصال، أعطى إشارات واضحة، بخصوص حتمية تدخل الدولة لدعم وتقوية الصحف والمواقع والقنوات القوية، وأكد أنه لا سبيل لمواجهة ثورة التكنولوجيا إلا بالتحكم في التكنولوجيا.

المؤكد أن هناك إدراك قوي لمشاكل القطاع، وأن تصورات الحلول قائمة وجزء منها جاهز، يبقى اختيار سرعة السير على طريق إعادة بعث الصحافة الوطنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى