أراء وتحاليلالجزائرالرئيسيةسلايدر
أخر الأخبار

الأزمة الوطنية في منطقة القبائل1

بقلم : د.جمال لعبيدي و د.أحمد رضوان شرف الدين 

إذا كان هناك موضوع حساس في بلادنا، إذا كان هناك مشكل يستعجل الحل، فهو بكل تأكيد ذاك الذي يتعلق بالأزمة الوطنية في منطقة القبائل. وهو مشكل يملي علينا، أكثر من أي مشكل آخر، تجنب التطرق الانفعالي، العاطفي، الذاتي، والتزام التطرق العقلاني، الموضوعي وحسب. باختصار، إنه يتطلب طرح الموضوع ومعالجته بذهن صاف، بعيدا عن المحظورات وبأفق مفتوح لا تحده سوى حدود الوحدة الوطنية.

هذا ما حاولنا القيام به فيما يلي، معتمدين على الوقائع وحدها؛ فهي تعبر عن نفسها بنفسها.

من الواضح أنه لولا الوضع الحالي في منطقة القبائل، لولا التجنيد الشعبي المعتبر فيها، لولا مقاطعة الانتخابات التي شهدتها المنطقة بمناسبة الرئاسيات والتي أعلن عنها بمناسبة التشريعيات القادمة، لما كانت الأزمة السياسية في البلاد بالمستوى الذي نلاحظه.

هناك مشكل حقيقي إذن، تستوجب خصوصيته التفكير والاهتمام الكامل من قبل الأمة. هذا يعني تجنب تجاهله أو القفز على طبيعته عبر تكرار الكلام عن ” الدور المحرك التقليدي لمنطقة القبائل في الكفاح من أجل الديمقراطية في الجزائر “، أو بالعكس عبر شيطنة منطقة القبائل.

عندما يتم رفع العلم الأمازيغي، سواء وحده أو مع العلم الوطني، ولا يكون ذلك إلا في منطقة القبائل أو من قبل القبائل فقط في ناحية أخرى من الجزائر أو في الخارج، فإنه يتحول واقعيا إلى علم قبائلي، ويجب التساؤل عن هذا الواقع، عن معناه بهدوء ودون تذنيب هذا الطرف أو ذاك. يجب التوقف عن ممارسة القفز على هذا الواقع باللجوء إلى اختزال معنى ذلك العلم في راية ثقافية: يجب تسلم رسالة أولئك الذين يرفعونه باقتناع ومثابرة.

الشعور بالانتماء: الكل والجزء

عندما يقدم المتظاهرون، المدافعين عن الوحدة الوطنية من جهة، والانفصاليين من جهة ثانية، على توحيد الصفوف لمواجهة قوات الأمن باسم ” الوحدة “، مثلما وقع مؤخرا بمنطقة القبائل بمناسبة  ذكرى أحداث أبريل 1980، هناك مشكل بالتأكيد، وبالتالي يجب التساؤل حول معنى هذه ” الوحدة “. من الواضح أن هناك طبقتين من الشعور بالهوية، طبقة الشعور المتعلق بالانتماء إلى الجزائر وطبقة الشعور المتعلق بالانتماء إلى منطقة ما. لمن سوف تؤول الغلبة ؟ هل ستؤول إلى الشعور بالانتماء إلى الجزء، أي منطقة القبائل، أم إلى الشعور بالانتماء إلى الكل، أي الجزائر ؟ تتجلى هكذا معضلة حقيقية يجب الحيلولة دون تحولها إلى تناقض عدائي.

التاريخ يحفظ الكثير من الأمثلة عن التناقضات من هذا النوع التي راحت تتعقد وتنمو إلى حد التحول إلى تناقضات عدائية حتى من دون إرادة المعنيين بها، وذلك لعدم توفر الذكاء السياسي والمقدار المطلوب من الجرأة لحل المشكل في الوقت المناسب.

يخبرنا التاريخ القريب منا، بصورة خاصة، بأن مسألة الانتماء حساسة للغاية وذات قابلية كبيرة للشحن بمحتوى لاعقلاني، بالأهواء المؤدية إلى أفظع المآسي.

بهذا الصدد يجب أن نقدر حق قدره موقف السلطة الحالية والجيش المتعلق بالتعامل مع الوضع في منطقة القبائل حتى يومنا هذا، موقف قوامه الرزانة، الاعتدال، الحكمة والحرص على رفض المواجهة كيفما كانت وعلى تأمين أمن المواطنين. سيكون للثبات على هذا الموقف مستقبلا، وبغض النظر عن تطور الأحداث، أهمية قصوى لأنه، في حد ذاته، جزء من الحل.

غير أنه في حال عدم التحرك صوب الاستجابة لتطلع منطقة القبائل الواضح إلى عيش هويتها وإلى التمكن من إدارتها وتنميتها بنفسها، أي في حال إخفاق حركية هوية معيشة دون تحفظ، بحرية وانسجام ضمن الإطار الوطني، سوف تكون الغلبة غيابيا لحركية الانفصال، بالرغم من كونها مرفوضة وأقلية، وبالرغم  من اعتبار احتمال انتصارها غير معقول من قبل الأغلبية العظمى.

صلب الموضوع

إنها المرة الثالثة، خلال أربعين عاما، – وحتى أكثر إذا عدنا إلى عام 1963 -، التي تكون فيها منطقة القبائل منشقة بصورة أو أخرى؛ ألم يحن الوقت بعد لنفتح أعيننا بالكامل وننظر بواقعية إلى طبيعة المشكل الحقيقية ؟

إن مسألة التشريعيات، في منطقة القبائل، تكشف لنا الآن طبيعة المشكل الحقيقية بوضوح: لم يعد الأمر يتعلق بأزمة ديمقراطية وحدها، بل بأزمة وطنية كذلك. بالفعل، لو كان المشكل هو مشكل انتخابات فقط، مشكل ديمقراطي يرتبط بمسألة إدارة الاقتراع ومصداقيته وبرفض ” النظام “، كما يعرضه أو يفسره كثيرون، لجرى التعبير عنه، مثلما هو الحال في المناطق الأخرى، بإبداء اختلافات قد تكون حادة ربما، لكنها في المحصلة طبيعية في كل البلدان، وبنسبة مشاركة أو امتناع كبيرة أو صغيرة. لكن الأمر يتعلق، في الحالة التي تعنينا اليوم، بمنطقة كاملة من مناطق الجزائر وبخطر(1) عدم مشاركتها في الاقتراع وعدم تمثيلها في البرلمان. إنها حالة مختلفة تماما، إذن، حالة انفصال واقعي وبالتالي حالة أزمة على مستوى الوحدة الوطنية، بمعنى أننا نقف بالضبط عند النقطة التي لم يكن الجزائريون كافة، باستثناء أقلية منهم، يريدون الوصول إليها.

هذه هي الوقائع. وهي تعكس درجة خطورة الأزمة ولكنها تدلنا، في الوقت نفسه، على نهج تسويتها. ذلك أنها تشتمل أيضا، لحسن الحظ، على تلك الحقيقة الماثلة في الأغلبية العظمى من الجزائريين القبائل التي ترفع باستمرار، بلا هوادة، العلمين معا، جنبا إلى جنب، في رسالة واضحة لا لبس فيها ومتضمنة للحل. بالفعل، الحل أمام أعيننا، لكننا نعجز عن إدراكه. لماذا ؟ ربما لأننا لا نزال متأثرين بمفهوم جامد وضيق للوحدة أثبت فعاليته أثناء الكفاح ضد الاستعمار، حين كان العدو معلوما، لكنه أصبح الآن يدفعنا إلى أن نرى أعداء حيث لا يوجدون بيننا وإلى أن ننقسم في النهاية، معتقدين في الوقت نفسه، بأننا ندافع عن الوحدة الوطنية.

توليفة جديدة للوحدة الوطنية 

كنا 9 ملايين عند استقلال البلاد وسنكون 50 مليونا عن قريب. ولقد أصبحت مشاكل إدارة البلاد والمجتمع، مشاكل الأمة، أكثر تعقيدا متسببة في تفجير الأفكار القديمة، المناهج القديمة وردود الأفعال القديمة، وذلك عندنا كما عند غيرنا. العالم تغير وتطورت كيفية التطرق إلى القضايا الوطنية، الاجتماعية والمجتمعية على السواء؛ باختصار تطورت طريقة معالجة قضايا ” العيش المشترك “.

إن الأزمة الديمقراطية التي نمر بها هي أزمة وطنية كذلك، وقد تكون تسويتها مفيدة باتجاه تقوية الأمة وتحديثها. بعد مرور 60 عاما على الاستقلال، هناك عبر هذه الأزمة طلب للتحيين، لنوعية جديدة من  “العيش المشترك “، أي للتوصل إلى توليفة جديدة للوحدة الوطنية، سواء كان الطلب كامنا أم صريحا.

نحن بحاجة إلى حل وطني وجريء لا يؤدي ، في منطقة القبائل، إلى التضحية بعلم لصالح العلم الآخر، لا يؤدي إلى فرض اختيار محزن بفعل جنون التقسيم. نحن بحاجة إلى اختيار يفسح المجال لتسوية من أعلى لهذا البعد من الأزمة تسمح لنا بالانتقال إلى وحدة أكثر ثراء وأرفع جودة، لا إلى تسوية من أسفل، عبر آلام الطلاق، تعرضنا للمغامرة وللتدخل الحتمي لقوى خارجية، الأمر الذي لا يعيه الانفصاليون، على الأرجح، أو يفكر فيه بعضهم. نحن بحاجة إلى اختيار يتماشى مع تاريخنا، الضارب في القدم، والذي لم يجعلنا أبدا نفترق ونتناحر، بل جعلنا، بالعكس، نتحد على الدوام فوق هذه الأرض، سواء أرض الجزائر الحالية أو شمال أفريقيا أو المغرب العربي.

الحكم الذاتي الإقليمي واللامركزية

كيف نسمي الحل ؟

قد يكون شكلا من الحكم الذاتي الإقليمي ضمن الاحترام الصارم للوحدة وللثوابت الوطنية. هذا الحل ليس جديدا، في الحقيقة، وإنما أخذ ينضج بصورة متزايدة استجابة لضرورة تاريخية كما هو الشأن دائما. لقد سبق ل” جبهة القوى الاشتراكية “، التي لا يمكن التشكيك في تعلقها الشديد بالوحدة الوطنية، أن تقدمت باقتراحه منذ زمن طويل – في مارس 1979 على وجه الدقة -، كما اقترحه أيضا عدد من الوطنيين أعضاء ” التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية ” و “الحركة الثقافية البربرية ” والعديد من المثقفين. هذا وتستعمل ” جبهة القوى الاشتراكية ” كذلك مصطلح اللامركزية كمرادف للحكم الذاتي الإقليمي، وتقدمهما بصفتهما شكلين من أشكال تحديث إدارة البلاد، – بالنظر إلى حجمها -، عن طريق تسيير لا مركزي لمنطقة القبائل، وعند الضرورة لغيرها من المناطق التي ترى فيه بعض المنافع.

لقد جاءت هذه الاقتراحات في إطار التفكير حول تحديث الدولة الوطنية وأشكال تسيير البلاد، وهو التفكير الذي أصبح ضروريا اليوم، تماشيا مع التطور في الجزائر والعالم. كما أنها كانت تهدف إلى تدعيم الوحدة الوطنية، ما يجعلها على طرفي نقيض مع الايديولوجيا الانفصالية التي لا تلح، من جانبها، على الخصوصيات إلا لتجعل منها عوامل تعارض وتنافر في حين يتعين اعتبارها، بالعكس، عوامل ثراء أوجه الأمة.

مهما يكن من الأمر، وسواء سمي الحل بالحكم الذاتي الإقليمي أو باللامركزية، فهما تصوران متقاربان جدا. إن المراد منهما هو الإدارة الذاتية لقطاعات اجتماعية – اقتصادية، اجتماعية – ثقافية وإدارية، يتم تعيينها بلا قيد إلى غاية الحد المتعلق بمسائل السيادة والوحدة الوطنية والإقليمية للبلاد، وهو الحد الوحيد والمطلق. يجب التحلي، بطبيعة الحال، بالحذر أثناء التقدم على هذا الطريق؛ فقد يكون تقدما متدرجا، نظرا لضرورة اختبار مفعوله بالنسبة لازدهار المنطقة وتنميتها، و لكن يجب، قبل كل شيء، أن يسبقه تنظيم استفتاء في منطقة القبائل للتأكد ديمقراطيا أنه يستجيب لتطلعات سكانها.

هذا الحل كفيل، في خضم النقاشات المكثفة الحالية، بوضع الأمور في نصابها والفرز بين ما يعود الآن للقضية الديمقراطية، كما هو الحال في بقية الجزائر، وبين ما يعود للقضية الوطنية، أي لمسألة الهوية، والذي يتطلب إجابات خاصة إذن. بهذا الصدد يمكن أن نذكر، من بين الآثار التي سوف تترتب عن هذا الحل، الامتناع مستقبلا عن اتخاذ إجراءات عرجاء تضفي على الأمور تعقيدا أكبر وتؤدي إما إلى الكبت أو إلى المزيد من التوتر والكذب، كما هو الشأن مثلا بالنسبة لتعميم تعليم اللغة الأمازيغية وإجباريته على نطاق البلاد كلها. فالجميع يعلم أن هذا الإجراء غير قابل للتطبيق ولم يأت بالفعل بأي نتيجة، بينما هو ساري المفعول تلقائيا في المناطق المعنية به والتي طالبت به.

صحيح أن النهج المقترح لا يخلو من مخاطر. فمن الممكن نقده مثلا – وهو نقد في محله – بالقول إنه ينطوي على الخطر الناجم عادة عن ” تضخم كرة الثلج “، أي خطر تفتيت البلاد عن طريق التعميم المحتمل للمطالبة باللامركزية وحتى بالحكم الذاتي. ومن الممكن نقده أيضا بالقول بأن الظرف غير مناسب وبأن وضع البلاد هش، في الوقت الراهن، وأنه يجب تسوية القضية الديمقراطية أولا، الخ. من الواجب أخذ جميع هذه الأمور بعين الاعتبار من دون شك، وهذا النص ليس له من غاية سوى المساهمة في التفكير. ومع ذلك من الممكن أيضا القول بأن عدم حل هذا المشكل بالذات هو الذي يجعل وضع البلاد هشا. وفي كل الأحوال، لا وجود لطريق سهل وخال من المخاطر لحل مشاكل البلدان. كل شيء مرهون، في الواقع، بعمل القوى الوطنية في منطقة القبائل وفي البلاد ككل، مرهون بروح المسؤولية لديها، بقدرتها على التسامح وعلى إيجاد الحلول الوسطى. أما الاستسلام للخوف بحجة المخاطر المحتملة، فيعني الجمود على طريقة القائد العسكري الذي يخشى الهزيمة إلى حد تجعله لا يقاتل ويعود إلى الوراء بدلا من الهجوم. إنه يعني عدم التحلي بخصلة من خصال كبار القادة السياسيين، وهي الجرأة. ومهما يكن من أمر هذه المخاطر المحتملة، فإن شدتها سوف تكون أقل بكثير من شدة الخطورة التي قد تترتب عن تقسيم البلاد.

يجب أن نثق بحكمة أمتنا في منطقة القبائل وفي غيرها من المناطق الجزائرية، على حد السواء. وقد نتفاجأ باكتشاف أن هذا الحل قد نضج في الوعي الشعبي أكثر مما نضج في وعي النخب ربما. إن عناصر هويتنا، بمعنى وحدتنا الوطنية، مقيدة في الدستور ولا تستدعي أكثر من تجديد قراءتها، تحديثها وتحيينها، بمعنى الإقدام على الاجتهاد فيها. لنترك الخوف جانبا إذن، ولنتسلح بالهدوء. لنثق بإمكانيات شعبنا لأن عوامل التوحيد في تاريخنا، القديم منه والحديث، أكبر عددا وأعظم قوة بكثير من عوامل التفرقة والتقسيم: تاريخنا كله يشهد على أن لا وجود لمنطقة القبائل بدون الجزائر ولا وجود للجزائر بدون منطقة القبائل.

____________

(1)  تم تحرير هذا المقال قبل إجراء الانتخابات التشريعية.

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق